12

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

اتق السيئات وازهد ودع ما

ليس بعينك واعمل بنيه

فكأنه أراد بقوله : أزهد حديث الأربعين : ( ( ازهد في الدنيا يحبك الله وزاهد فيما عند الناس يحبك الناس ) ) . | قال الخطابي شارحة : ( ( لم يصنف في علم الدين مثله وهو أحسن وضعا وأكثر فقها من الصحيحين ) ) ، وقال أبو داود : ( ( ما ذكرت فيه حديثا أجمع الناس على تركه ) ) ، وقال ابن الأعرابي : ( ( من عنده القرآن وكتاب أبي داود لم يحتج معهما إلى شيء من العلم البتة ) ) ، وقال الناجي : ( ( كتاب الله أصل الإسلام وكتاب أبي داود عبد الإسلام ) ) ، ومن ثم صرح حجة الإسلام الغزالي باكتفاء المجتهد به في الأحاديث ، وتبعه أئمة الشافعية على ذلك ، وقال النووي : ( ( ينبغي للمشتغل بالفقه ولغيره الاعتناء به ، فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه مع سهولة تناوله ) ) . وكان [ له ] كم واسع وكم ضيق فقيل له : ما هذا ، فقال : أما الواسع فلكتب وأما الضيق فللاحتياح إليه . | وفضائله ومناقبه كثيرة ، وكان في أعلى درجة من النسك والعفاف والصلاح والورع ، قال المندري : ( ( ما سكت عليه لا ينزل عن درجة الحسن ) ) ، وقال النوي : ما رواه في سننه ولم يذكر ضعفه هو عنده صحيح أو حسن ) ) ، وقال ابن عبد البر : ( ( ما سكت عليه صحيح عنده سيما إن لم يكن في الباب غيره ) ) ، وأطلق ابن منده وابن السكن الصحة على جميع ما في سنن أبي داود ووافقهما الحاكم . | ( وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ) بفتح النون والمد كما في جامع الأصول ، واقتصر عليه المصنف ، وبالقصر كما في طبقات الفقهاء ، نسبة إلى بلد بخراسان قريب مرو ، وأما ما ذكره ابن حجر أنه من كور نيسابور أو من أرض فارس فغير صحيح . | أحد الأئمة الحفاظ ، سمع من إسحاق بن راهويه وسليمان بن أشعث ومحمود بن غيلان وقتيبة بن سعيد ومحمد بن بشار وعلي بن حجر وأبي داود وآخرين ببلاد كثيرة وأقاليم متعددة ، وأخذ عنه خلق كثيرون كالطبراني والطحاوي وابن السني : ودخل دمشق فسئل عن معاوية ففضل عليه عليا فأخرج من المسجد وحمل إلى الرملة ومات بها ، وقيل : إلى مكة ودفن بها بين الصفا والمروة ، وجرى عليه بعض الحفاظ فقال : مات ضربا بالأرجل من أهل الشام حين أجابهم لما سألوه عن فضائل معاوية ليرجحوه بها على علي بقوله : ألا يرضى معاوية رأسا برأس حتى يفضل ، وفي رواية : ما أعرفه ألا أشبع الله بطنه وما زالوا يضربونه بأرجلهم حتى أخرج من المسجد ، ثم حمل إلى مكة فمات مقتولا شهيدا . وقال الدار قطني : إن ذلك كان بالرملة ، وكذا قال العبدري : إنه مات بالرملة بمدينة فلسطين ودفن بالبيت المقدس ، وسنه ثمان وثمانون سنة فما قاله الذهبي ومن تبعه ، وجزم المصنف بأنه مات بمكة سنة ثلاث وثلثمائة وهو مدفون بها ، ونقل التاج السبكي عن شيخه الحافظ الذهبي ووالده الشيخ الإمام السبكي أن النسائي أحفظ من مسلم صاحب الصحيح وأن سننه أقل السنن بعد الصحيحين حديثا ضعيفا ، بل قال بعض الشيوخ : إنه أشرف المصنفات كلها وما وضع في الإسلام مثله ، وقد قال ابن منده وابن السكن وأبو علي النيسابوري وأبو أحمد بن عدي والخطيب والدار قطني : كل ما فيه صحيح لكن فيه تساهل صريح ، وشذ بعض المغاربة فضله على كتاب البخاري ولعله لبعض الحيثيات الخارجة عن كمال الصحة والله تعالى أعلم . قال السيد جمال الدين : صنف في أول الأمر كتابا يقال له السنن الكبيرة للنسائي ، وهو كتاب جليل لم يكتب مثله في جمع طرق الحديث وبيان مخرجه ، وبعده اختصره وسماه بالمجتنى بالنون ، وسبب اختصاره أن أحدا من أمراء زمانه سأله إن جميع أحاديث كتابك صحيح فقال في جوابه : لا ، فأمره الأمير بتجريد الصحاح وكتابه صحيح مجرد ، فانتخب منه المجتنى ، وكل حديث تكلم في إسناده أسقطه منه ، فإذا أطلق المحدثون بقولهم : ( ( رواه النسائي فمرادهم هذا المختصر المسمى بالمجتنى لا الكتاب الكبير وكذا إذا قال : الكتب الخمسة ، أو الأصول الخمسة فهي البخاري ومسلم وسنن أبي داود وجامع الترمذي ومجتنى النسائي . | ( أبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه ) بإثبات ألف ابن خطأ فإنه بدل من ابن يزيد ، ففي القاموس : ماجة لقب والد محمد بن يزيد صاحب السنن لأجده ، وفي شرح الأربعين إن ماجة اسم أمه ( القزويني ) بفتح القاف نسبة إلى بلد معروف ، وهو الإمام الحافظ صاحب السنن التي كمل به الكتب الستة والسنن الأربعة بعد الصحيحين ، قال الحافظ ابن حجر : وأول من أضاف ابن ماجة إلى الخمسة الفضل بن طاهر حيث أدرجه معها في أطرافه ، وكذا في شروط الأئمة الستة ، ثم الحافظ عبد الغني في كتاب الإكمال في أسماء الرجال الذي هذبه الحافظ المزي ، وقدموه على الموطأ لكثرة زوائده على الخمسة بخلاف الموطأ ، وهو كما قاله ابن الأثير كتاب مفيد قوي التبويب في الفقه لكن فيه أحاديث ضعيفة جدا بل منكرة ، بل نقل عن الحافظ المزي أن الغالب فيما انفرد به الضعف ولذا لم يضفه غير واحد إلى الخمسة بل جعلوا السادس الموطأ ، منهم رزين والمجد ابن الأثير ، وقال العسقلاني : ( ( ينبغي أن يجعل مسند الدارمي سادسا للخمسة بدله ، فإنه قليل الرجال الضعفاء نادر الأحاديث المنكرة والشاذة ، وإن كان فيه أحاديث مرسلة وموقوفة فهو مع ذلك أولى منه ) ) . توفي في رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائيتن وله من العمر أربع وستون سنة ، سمع أصحاب مالك [ و ] الليث ، وروى عنه أبو الحسن القطان وخلق سواه ، وله ثلاثيات من طريق جبارة بن المغلس ، وله حديث في فضل قزوين أورده في سننه وهو منكر بل موضوع ، ولذا طعن فيه وفي كتابه . | ( وأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن ) السمرقندي التميمي ( الدارمي ) بكسر الراء نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير من تميم ، وهو الإمام الحافظ عالم سمرقند ، صنف التفسير والجامع ومسنده المشهور وهو على الأبواب لا الصحابة خلافا لمن وهم فيه . روى عن البخاري ويزيد ابن هارون والنضر بن شميل وغيرهم ، وقال : ( ( رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل البخاري ) ) . وروى عنه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم ، قال أبو حاتم : هو إمام أهل زمانه ، توفي يوم التروية ودفن يوم عرفة سنة خمس وخمسين ومائتين ، وولد سنة إحدى وثمانين ومائة وله من العمر أربع وسبعون سنة ، وله خمسة عشر حديثا هي ثلاثيات . | ( وأبي الحسن علي بن عمر الدار قطني ) بفتح الراء ويسكن وبضم القاف وسكون الطاء بعده نون نسبة لدار القطن ، وكانت محله كبيرة ببغداد . وهو إمام عصره وحافظ دهره صاحب السنن والعلل وغيرهما ، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال وأحوال الرواة مع الصدق والأمانة والثقة والعدالة وصحة الإعتقاد والتضلع بعلوم شتى ، كالقراءة ، وله فيها كتاب لم يسبق إلى مثله . أخذ عنه الأئمة كأبي نعيم والحاكم أبي عبد الله النيسابوري والبرقاني والشيخ أبي حامد الإسفراييني والقاضي أبي الطيب الطبري والجوهري وغيرهم . ولد سنة خمس وثلثمائة ، ومات ببغداد خمس وثمانين وثلثمانة . | ( وأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي ) نسبة لبيهق على وزن صيقل بلد قرب نيسابور ، وهو الإمام الجليل الحاقظ الفقيه الأصولي الزاهد الورع ، وهو أكبر أصحاب الحاكم أبي عبد الله ، وقد أخذ عن ابن فورك وأبي عبد الرحمن السلمي . روي أنه اجتمع جمع كثير من العلماء في مجلس الحاكم أبي عبد الله وقد ترك الحاكم راويا من إسناد حديث فنبه عليه البيهقي فتغير الحاكم ، فقال البيهقي : لا بد من الرجوع إلى الأصل فحضر الأصل فكان كما قال البيهقي . رحل إلى الحجاز والعراق ثم اشتغل بالتصنيف بعد أن صار واحد زمانه وفارس ميدانه ، وألف كتابه السنن الكبير وكتاب المبسوط في نصوص الشافعي وكتاب معرفة السنن والآثار ، وقيل : وصل تصانيفه إلى ألف جزء . ومن تصانيفه دلائل النبوة وكتاب البعث والنشور وكتاب الآداب وكتاب فضائل الصحابة وفضائل الأوقات وكتاب شعب الإيمان وكتاب الخلافيات ، وكان له غاية الإنصاف في المناظرة والمباحثة ، وكان على سيرة العلماء قانعا من الدنيا باليسير متجملا في زهده وورعه صائم الدهر قبل موته بثلاثين سنة . قال إمام الحرمين : ( ( ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منه إلا البيهقي فإنه له على الشافعي منه لتصانيفه في نصرة مذهبه وأقاويله ) ) . توفي بنيسابور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وحمل تابوته إلى قرية من ناحية بيهق وهل من العمر أربع وسبعون سنة ، قيل : مولده أربع وثمانين وثلاثمائة . | ( وأبي الحسن رزين ) بفتح الراء وكسر الزاي ( ابن معاوية العبدري ) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفتح الدال المهملة وبالراء المخففة منسوب إلى عبد الدار بن قصي بطن من قريش ، وهو الحافظ الجليل صاحب كتاب التجريد في الجمع بين الصحاح ، مات بعد العشرين وخمسمائة ( وغيرهم ) بالجر عطفا على أبي عبد الله ، وقيل : بالرفع عطفا على مثل ( وقليل ما ) ما زائدة إبهامية تزيد الشيوع والمبالغة في القلة ( هو ) أي غيرهم الإفراد للفظ غير [ هم ] وهو مبتدأ خبره قليل ، ونظيره ( إلا الدين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) ^ [ ص 0 24 ] . | فلما انتهى الكلام على آخر الرجال المذكورين والأئمة المشهورين ، سنح [ بالخاطر الفاتر ] ما ذكره السادات الصوفية أرباب الهداية ( ( إن النهاية هي الرجوع إلى البداية ) ) فأنتج أن أختم ذكرهم بمناقب الإمام الأعظم ، والهمام الأقدم ليكون كمسك الختام . وقد ذكره المؤلف أيضا في أسماء رجاله راجيا حصول بركة كماله ؛ لكن بعد ذكر الإمام مالك وأورد اعتذارا عن ذلك بقوله : ( ( وقد بدأنا بذكره لأنه المقدم زمانا وقدرا ومعرفة وعلما ) ) ، قلت : كل ذلك بالنسبة إلى إمامنا غير صحيح ، أما تقدم زمان أبي حنيفة عليه فصريح ، إذ ولد مالك سنة خمس وتسعين وولد أبو حنيفة سنة ثمانين ، وأما تقدم قدره على أبي حنيفة فمردود لأنه من أتباع التابعين ، وإمامنا من التابعين كما ذكره السيوطي وغيره ، وقد ورد في الحديث النبوي : ( ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ) . وأما معرفته فمعروفة لأنها عمت الخلق شرقا وغربا سيما في بلاد ما وراء النهر وولاية الهند والروم فإنهم لا يعرفون إماما غيره ، ولا يعلمون مذهبا سوى مذهبه . وبالجملة فأتباعه أكثر من أتباع جميع الأئمة من علماء الأمة ، كما أن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أتباع سائر الأنبياء ، وقد ورد : ( ( إنهم ثلثا أهل الجنة ، والحنفية أيضا تجيء ثلثي المؤمنين والله أعلم ، وأما علمه فيكفي ما قال الشافعي في حقه : ( ( الخلق كلهم عيال أبي حنيفة في الفقه ) ) ، والعذر في كثرة استغاله بالأمور الفقهية من المسائل الفرعية والدلائل الأصولية ، أنه رأى أنه الأهم واحتياج الناس إليه أتم ، وهو ي الحقيقة اشتغال بالمعنى المعبر عنه بالدراية ، وهو مفضل على التعليق بالمبنى الذي يقال له الرواية ، وبهذا فاق على أقرانه من المحدثين وغيرهم . وقد سأله الأوزاعي عن مسائل وأراد البحث معه بوسائل ، فأجاب على وجه الصواب ، فقال له الأوزاعي : من أين هذا الجواب ، فقال : من الأحاديث التبي رويتموها ، ومن الأخبار والآثار التي نقلتموها ، وبين له وجه دلالاتها وطريق استناطاتها فأتصف الأوزاعي ولم يتسعف ، فقال : نحن العطارون وأنتم الأطباء أي العارفون بالداء والدواء . وأيضا كان عنده أن نقل الحديث الشريف لا يجوز إلا باللفظ دون المعنى ، فهذا الاعتبار يقل التحديث بالمبني مع أن له مسانيد متعددة وأسانيد معتمدة يعرفها أهل الخبرة ، ويحكمون عليه [ بأنه ] من أهل البصرة ، ثم يدل على علو سنده أنه روى الشافعي في مسنده عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ( الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ) ) كذا ذكره الشمني شارح النقاية في فصل الولاء ، وذكر الإمام النووي في تهذيب الأسماء نقلا عن الخطيب البغدادي إن الإمام الشافعي روى عن محمد بن الحسن ، [ وقال الفاضل تلميذ الإمام ابن الهمام في شرح التحرير ذكر أصحاب الشافعي وغيرهم أنه قال الشافعي حملت عن محمد ابن الحسن ] وقرئ بحثي كبتا ، وقال أبو إسحاق في الطبقات : روى الربيع قال : كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن وقد طلب منه كتبا ينسخها فأخرها عنه :

قل للذي لم ترعينا من رآه مثله

ومن كان من رآه قد رأى من قبله

Page 77