17

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

واختلف العلماء فيه على أقوال ، أولها عليه الأكثرون والأشعري والمحققون . أنه مجرد تصديق النبي عليه الصلاة والسلام فيما علم مجيئه به بالضرورة تفصيلا في الأمور التفصيلية وإجمالا في الإجمالية تصديقا جازما ولو لغير دليل حتى يدخل إيمان المقلد فهو صحيح على الأصح ، وما نقل عن الأشعري من عدم صحته رد بأنه كذب عليه ؛ والحاصل أن من اعتقد أركان الدين من التوحيد والنبوة ونحو الصلاة فإن جوز ورود شبهة تفسد اعتقاده فهو كافر وإن لم يجوز ذلك فهو مؤمن لكنه فاسق بتركه النظر وهذا مذهب الأئمة الأربعة والأكثرين ، لأنه عليه الصلاة والسلام قبل الإيمان من غير تفحص عن الأدلة العقلية كذا ذكره ابن جر ، لكن في كونه فاسقا بتركه النظر نظر ظاهر فتدبر . ثم فهم من قيد مجرد التصديق أنه لا يعتبر معه أعمال الجوارح ومن الضرورة أن ما ليس كذلك ككونه تعالى عالما بذاته أو بالعلم الذي هو صفة زائدة على الذات أو مرئيا لا يكفر منكره إجماعا ، ومن الجزم أن التصديق الظني لا يكفي في حصول مسمى الإيمان . وثانيها : أنه عمل القلب واللسان معا ، فقيل : الإقرار شرط لإجراء الأحكام لا لصحة الإيمان فيما بين العبد وربه ، قال حافظ الدين النسفي : وهذا هو المروي عن أبي حنيفة ، وإليه ذهب أبو منصور الماتريدي والأشعري في أصح الروايتين عنه ، وقيل : هو ركن لكنه غير أصلي بل زائد ومن ثم يسقط عند الإكراه والعجز ، ولهذا من صدق ومات فجأة على الفوز فإنه مؤمن إجماعا ، قال بعضهم : والأول مذهب المتكلمين والثاني مذهب الفقهاء . والحق أنه ركن عند المطالبة به وشرط لإجراء الأحكام عند عدم المطالبة ، ويدل عليه قوله تعالى : 16 ( { إنك لا تهدي من أحببت } ) الآية [ القصص 56 ] حيث أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب والله أعلم بالمطالب ؛ وبهذا يلتئم القولان والخلافان لفظيان ، وأما ما نقل عن الغزالي من أن الامتناع عن النطق كالمعاصي التي تجامع الإيمان فهو بظاهره خلاف الإجماع فيحمل على الامتناع عند عدم المطالبة ، غاية ما في الباب أنه جعل الإقرار من الواجبات لا شرطا ولا شطرا . وثالثها : أنه فعل القلب واللسان مع سائر الأركان ، ونقل عن أصحاب الحديث ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وعن المعتزلة والخوارج ، لكن المعتزلة على أن صاحب الكبيرة بين الإيمان والكفر بمعنى أنه لا يقال له مؤمن ولا كافر بل يقال له فاسق مخلد في النار ، والخوارج على أنه كافر ، وأهل السنة على أنه مؤمن فاسق داخل تحت المشيئة لقوله تعالى : 16 ( { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشار } ) [ النساء 48 ] قالوا : لا تظهر المغايرة بين قول أصحاب الحديث وبين سائر أهل السنة لأن امتثال الأوامر واجتناب الزواجر من كمال الإيمان اتفاقا لا من ماهيته فالنزاع لفظي لا على حقيقته ، وكذلك اختلافهم في نقصان الإيمان وزيادته ، وكذا اقتران الإيمان بالمشيئة ، وكذا الاختلاف في أن الإيمان مخلوق أو غير مخلوق ، وكذا التفضيل بين الملك والبشر ، ومحل بسط هذا المرام كتب الكلام .

1

3 ( الفصل الأول ) 3

Page 106