Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
Editor
جمال عيتاني
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1422هـ - 2001م
Publisher Location
لبنان/ بيروت
( قال : قال رسول الله : الإيمان ) أي ثمراته وفروعه فأطلق الإيمان وهو التصديق والإقرار عليها مجازا لأنها من حقوقه ولوازمه ( بضع وسبعون ) وفي رواية بضعة ، والباء مكسورة فيهما وقد تفتح وهي القطعة ، ثم استعملا في العدد لما بين الثلاثة والعشرة وفي القاموس : ( هو ما بين الثلاث إلى التسع أو إلى الخمس ، أو ما بين الواحد إلى الأربعة ، أو من أربع إلى تسع ، أو هو سبع ) ا ه . ويؤيده أنه جاء في بعض الروايات : ( سبع وسبعون ) والذي في الأصل هو رواية مسلم جرى عليها أبو داود والترمذي والنسائي ، ورواية البخاري : ( بضع وستون ) ورجحت بأنها المتيقن ، وصوب القاضي عياض الأولى بأنها التي في سائر الأحاديث ، ورجحها جماعة منهم النووي بأن فيها زيادة ثقات ، واعترضه الكرماني بأن زيادة الثقة أن يزاد لفظ في الرواية ، وإنما هذا من اختلاف الروايتين مع عدم تناف بينهما في المعنى إذ ذكر الأقل لا ينفي الأكثر ، وأنه أخبر أولا بالستين ، ثم أعلم بزيادة فأخبر بها ، ويجاب بأن هذا متضمن للزيادة كما اعترف به الكرماني فصح ما قاله النووي ؛ والأظهر والله أعلم أن المراد [ به ] التكثير لا التحديد ، ويحمل الاختلاف على تعدد القضية ولو من جهة راو واحد . وقوله ( شعبة ) هي في الأصل غصن الشجر وفرع كل أصل وأريد بها هنا الخصلة الحميدة أي الإيمان ذو خصال متعددة ، وفي رواية صحيحة : ( بضع وسبعون بابا ) ، وفي أخرى : ( أربع وستون بابا ) أي نوعا من خصال الكمال ، وفي أخرى : ( ثلاث وثلاثون شريعة ، من وافى الله بشريعة منها دخل الجنة ) ، وروى ابن شاهين : ( أن لله تعالى مائة خلق من أتى بخلق منها دخل الجنة ) ، وفسرت بنحو الحياء والرحمة والسخاء والتسامح وغيرها من أخلاقه تعالى المذكورة في أسمائه الحسنى وصفاته العليا ( فأفضلها ) الفاء تفصيلية ، أو تفريعية ، وقيل : إنها جزائية يقال لها الفصيحة أي إذا كان الإيمان ذا شعب فأفضلها ( قول لا إله إلا الله ) أي هذا الذكر فوضع القول موضعه ، ويؤيده ما ورد بلفظ : ( أفضل الذكر لا إله إلا الله ) لا موضع الشهادة لأنها من أصله لا من شعبه ، والتصديق القلبي خارج عنها بالإجماع كذا قيل ، وهو مبني على جعل الإقرار شطر الإيمان ، وأما على القول بأنه شرط فلا مانع من أن يكون المراد بالقول الشهادة لإنهائه عن التوحيد المتعين على كل مكلف الذي لا يصح غيره إلا بعد صحته ؛ فهو الأصل الذي يبنى عليه سائر الشعب ، أو لتضمنه شرعا معنى التوحيد الذي هو التصديق والتزامه عرفا سائر العبادات على التحقيق ، ويجوز أن يكون المراد أنه أفضلها من وجه وهو أنه يوجب عصمة الدم والمال لا أنه أفضل من كل الوجوه وإلا يلزم أن يكون أفضل من الصوم والصلاة وليس كذلك ، ويجوز أن يقصد الزيادة المطلقة لا على ما أضيف إليه أي المشهور من بينها بالفضل في الأديان قول لا إله إلا الله . ( وأدناها ) أي أقربها منزلة وأدونها مقدارا ومرتبة بمعنى أقربها تناولا وأسهلها تواصلا من الدنو بمعنى القرب فهو ضد فلان بعيد المنزلة أي رفيعها ، ومن ثم رواه ابن ماجة مكان أفضلها بلفظ : ( فأرفعها ) ، وفي رواية : ( فأقصاها ) ، أو من الدناءة أي أقلها فائدة لأنها دفع أدنى ضرر ( إماطة الأذى ) أي إزالته ، وهو مصدر بمعنى المؤذي ، أو مبالغة ، أو اسم لما يؤذى به كشوكة أو حجر أو قذر ، قال الحسن البصري في تفسير الأبرار : ( هم الذين لا يؤذون الذر ، ولا يرضون الضر ) ، وفي رواية : ( إماطة العظم ) أي مثلا ( عن الطريق ) وفي طريق أهل التحقيق أريد بالأذى النفس التي هي منبع الأذى لصاحبها وغيره ؛ فالشعبة الأولى من العبادات القولية والثانية من الطاعات الفعلية ، أو الأولى فعلية والثانية تركية ، أو الأولى من المعاملة مع الحق والثانية من المجاملة مع الخلق ، أو الأولى من التعظيم لأمر الله والثانية من الشفقة على خلق الله ، أو الأولى من القيام بحق الله والثانية من القيام بحق العباد فمن قام بهما صدقا كان من الصالحين حقا .
Page 135