42

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

( والحياء ) بالمد ( شعبة ) أي عظيمة ( من الإيمان ) أي من شعبه ، والمراد به الحياء الإيماني ، وهو خلق يمنع الشخص من الفعل القبيح بسبب الإيمان كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس ، لا النفساني الذي خلقه الله في النفوس ، وهو تغير وانكسار يعتري المرء من خوف ما يلام ويعاب عليه ، وإنما أفرد من سائر الشعب لأنه الداعي إلى الكل فإن الحي يخاف فضيحة الدنيا وفظاعة العقبى فينزجر عن المناهي ويرتدع عن الملاهي . ولذا قيل : حقيقة الحياء أن مولاك لا يراك حيث نهاك ، وهذا مقام الإحسان المسمى بالمشاهدة الناشىء عن حال المحاسبة والمراقبة ، فهذا الحديث الجليل مجمل حديث جبريل ، فأفضلها مشير إلى الإيمان ، وأدناها مشعر إلى الإسلام ، والحياء موم إلى الإحسان ، ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام : ( استحيوا من الله حق الحياء ، قالوا : إنا لنستحي من الله حق الحياء يا رسول الله والحمد لله ، قال : ليس ذلك ولكن الإستحياء من الله حق الحياء أن يحفظ الرأس وما حوى ، والبطن وما وعى ويذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى ، فمن يعمل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء ) رواه الترمذي وصح : ( الحياء خير كله ) ، قال ابن حبان : ( تتبعت معنى هذا الحديث مدة وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على البضع والسبعين شيئا كثيرا ، فرجعت إلى السنة فعددت كل طاعة عدها رسول الله من الإيمان فإذا هي تنقص ، فضممت ما في الكتاب والسنة فإذا هي سبع وسبعون فعلمت أنه المراد ) ، قال السيوطي : قد تكلف جماعة عدها بطريق الإجتهاد يعني البيضاوي والكرماني وغيرهما وأقربهم عدا ابن حبان حيث ذكر كل خصلة سميت في الكتاب أو السنة إيمانا ، وقد تبعه شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر في شرح البخاري وتبعناهما ، وذلك الإيمان بالله وصفاته ، وحدوث ما دونه وبملائكته وكتبه ورسله والقدر ، وباليوم الآخر ، ومحبة الله والحب في الله والبغض فيه ، ومحبة النبي واعتقاد تعظيمه ، وفيه الصلاة عليه وإتباع سنته ، والإخلاص وفيه ترك الرياء والنفاق ، والتوبة والخوف ، والرجاء والشكر ، والوفاء والصبر والرضا بالقضاء ، والحياء والتوكل والرحمة والتواضع ، وفيه توقير الكبير ورحمة الصغير ، وترك الكبر والعجب ، وترك الحسد والحقد ، وترك الغضب ، والنطق بالتوحيد وتلاوة القرآن وتعلم العلم وتعليمه والدعاء والذكر ، وفيه الاستغفار واجتناب اللغو والتطهر حسا وحكما ، وفيه اجتناب النجاسات وستر العورة والصلاة فرضا ونفلا ، والزكاة كذلك ، وفك الرقاب والجود ، وفيه الإطعام والضيافة ، والصيام فرضا ونفلا والإعتكاف والتماس ليلة القدر ، والحج والعمرة والطواف ، والفرار بالدين وفيه الهجرة ، والوفاء بالنذر والتحري في الإيمان وأداء الكفارات ، والتعفف بالنكاح والقيام بحقوق العيال ، وبر الوالدين وتربية الأولاد وصلة الرحم ، وطاعة السادة والرفق بالعبيد ، والقيام بالإمرة مع العدل ، ومتابعة الجماعة وطاعة أولي الأمر ، والإصلاح بين الناس وفيه قتال الخوارج والبغاة والمعاونة على البر وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإقامة الحدود والجهاد وفيه المرابطة ، وأداء الأمانة ومنها الخمس ، والقرض مع وفائه ، وإكرام الجار وحسن المعاملة وفيه جمع المال من حله ، وإنفاق المال في حقه وفيه ترك التبذير والسرف ، ورد السلام وتشميت العاطس ، وكف الضرر عن الناس ، واجتناب اللهو ، وإماطة الأذى عن الطريق ) ا ه . ما ذكره السيوطي في كتابه النقاية وأدلتها مذكورة في شرحها إتمام الدراية وتجيء في هذا الكتاب متفرقة ؛ ولكن ذكرتها لك مجملة لتتأمل فيها مفصلة ، فما رأيت نفسك متصفة بها فاشكر الله على ذلك ، وما رأيت على خلافها فاطلب من الله التوفيق على تحصيل ما هنالك ، لأن من وجدت فيه هذه الشعب فهو مؤمن كامل ، ومن نقص منه بعضها فهو مؤمن ناقص .

Page 136