49

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

( ومن يكره ) أي وثالثتهما كراهة من يكره ( أن يعود ) أي يرجع ، أو يتحول ( في الكفر ) وقيل أن يصير بدليل تعديته بفي على حد 16 ( { أو لتعودن في ملتنا } ) [ الأعراف 88 ] فيشمل من لم يسبق له كفر أيضا ولا ينافيه قوله ( بعد أن أنقذه الله منه ) أي أخلصه ونجاه من الكفر لأن أنقذ بمعنى حفظ بالعصمة ابتداء بأن يولد على الإسلام ، ويستمر بهذا الوصف على الدوام ، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، أو لا يشمله ولكنه مفهوم من طريق المساواة بل الأولى . وفيه إيماء إلى قوله تعالى : 16 ( { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } ) [ البقرة 257 ] أي بهدايته وتوفيقه ، فهو يعم الإبتداء والإنتهاء ( كما يكره أن يلقى في النار ) أي وكراهة من يكره الصيرورة في الكفر مثل كراهة الرمي والطرح في النار ، وفي رواية البخاري : ( حتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه ) ، وفي أخرى لهما : ( من كان يكره أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إليه يهوديا أو نصرانيا ) ، وفي رواية النسائي : ( وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئا ) يعني أن الوقوع في نار الدنيا أولى بالإيثار من العود في الكفر . وفيه إيماء إلى قول السادة الصوفية : الحجاب أشد العذاب .

ثم اعلم أن الخصلتين الأوليين من أبواب التحلي بالفواضل والفضائل ، والخصلة الأخيرة من أنواع التخلي من الرذائل ؛ ففيها تحثيث وتحريض ، وترغيب وتحريص على تحصيل بقية الشمائل ، وإيماء إلى أن المذكورات أمهات لغير المسطورات . ( متفق عليه ) ورواه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة بلفط : ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ) كذا في الجامع الصغير للسيوطي .

( 9 ) ( وعن العباس بن عبد المطلب ) أي عم النبي ، وكان أسن من النبي بسنتين . ومن لطافة فهمه ومتانة علمه أنه لما سئل : أنت أكبر أم النبي ؟ قال : هو أكبر وأنا أسن . وأمه أول امرأة كست الكعبة الحرير والديباج وأصناف الكسوة ؛ وذلك أن العباس ضل وهو صبي فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرام فوجدته ففعلت ذلك . وكان العباس رئيسا في الجاهلية ، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية ؛ أما السقاية فهي معروفة بسقاية الحاج ، وأما العمارة فإنه كان يحمل قريشا على عمارته وبالخير وترك السباب فيه وقول الهجر . قال مجاهد : ( عتق العباس عند موته سبعين مملوكا ) .

ولد قبل سنة الفيل ، ومات يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين ، وهو ابن ثمان وثمانين ، ودفن بالبقيع . وكان أسلم قديما وكتم إسلامه وخرج مع المشركين يوم بدر مكرها ، فقال النبي : ( من لقي العباس فلا يقتله فإنه خرج مكرها ) ، فأسره أبو اليسر كعب بن عمر ، ففادى نفسه ورجع إلى مكة ، ثم أقبل إلى المدينة مهاجرا وروى عنه جماعة .

Page 143