51

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

( 10 ) ( وعن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] ) مر ذكره ( قال : قال رسول الله : والذي ) أي والله الذي ( نفس محمد ) أي روحه وذاته وصفاته وحالاته وإرادته وحركاته وسكناته ( بيده ) أي كائنة بنعمته وحاصلة بقدرته وثابتة بإرادته ؛ ووجه استعارة اليد للقدرة أن أكثر ما يظهر سلطانها في أيدينا ، وهي من المتشابهات ومذهب السلف فيها تفويض علمه إلى الله تعالى مع التنزيه عن ظاهره ، وهو أسلم حذرا من أن يعين له غير مراد له تعالى ، ويؤيده وقف الجمهور على الجلالة في قوله تعالى : 16 ( { وما يعلم تأويله إلا الله } ) [ آل عمران 7 ] وعدوه وقفا لازما وهو ما في وصله إيهام معنى فاسد ، ومن ثم قال أبو حنيفة رحمه الله : ( تأويل اليد بالقدرة يؤدي إلى تعطيل ما أثبته تعالى لنفسه ، وإنما الذي ينبغي الإيمان بما ذكره الله تعالى من ذلك ونحوه على ما أراده ، ولا يشتغل بتأويله فنقول له يد على ما أراده لا كيد المخلوقين ، ومذهب الخلف فيها تأويله بما يليق بجلال الله تعالى ، وتنزيهه عن الجسم والجهة ولوازمها بناء على أن الوقف على الراسخون في العلم ، وكان ابن عباس يقول : ( أنا أعلم تأويله ، وأنا من الراسخين في العلم ) . قيل : وهذا أعلم وأحكم ، أي يحتاج إلى مزيد علم وحكمة حتى يطابق التأويل سياق ذلك النص ، وليس المعنى أن مذهب الخلف أكثر علما ؛ فالمذهبان متفقان على التنزيه ، وإنما الخلاف في أن الأولى ماذا ؟ أهو التفويض أم التأويل ؟ ويمكن حمل الخلاف على اختلاف الزمان ، فكان التفويض في زمان السلف أولى لسلامة صدورهم وعدم ظهور البدع في زمانهم ، والتأويل في زمان الخلف أولى لكثرة العوام وأخذهم بما يتبادر إلى الأفهام ، وغلو المبتدعة بين الأنام ، والله أعلم بالمرام . ثم هو قسم جوابه ( لا يسمع بي ) وكان الأصل أن يقول والذي نفسي ، لكنه جرد من نفسه النفيسة من اسمه محمد ، وهو هو ليكون أبلغ وأوقع في النفس ، ثم التفت من الغيبة إلى التكلم تنزيلا من مقام الجمع إلى التفرقة ، ومن الكون مع الحق إلى الإشتغال بدعوة الخلق ، والإنتقال من خزانة الكمال إلى منصة التكميل . قال العارف السهروردي : ( الجمع اتصال لا يشاهد صاحبه إلا الحق ، فمتى شاهد غيره فما ثم جمع ، فقوله : 16 ( { آمنا بالله } ) جمع 16 ( { وما أنزل إلينا } ) [ المائدة 59 ] تفرقة ) . وقال الجنيدي قدس [ الله ] سره ويسمى سيد الطائفة لأنه لم ينطق قط بما لا يطابق الكتاب والسنة : ( القرب بالوجد جمع ، وغيبته في البشرية تفرقة ، وكل جمع بلا تفرقة زندقة ، وكل تفرقة بلا جمع تعطيل ) .

ثم قيل : الباء زائدة ، أو بمعنى من ، والأظهر أنها لتأكيد التعدية كما في قوله تعالى : 16 ( { ما سمعنا بهذا } ) [ المؤمنون 24 ] أو ضمن معنى الأخبار أي ما يسمع مخبرا ببعثي . وحاصل المعنى : لا يعلم رسالتي ( أحد ) أي [ ممن هو ] موجود ، أو سيوجد ( من هذه الأمة ) أي أمة الدعوة ومن تبعيضية ، وقيل : بيانية ( يهودي ولا نصراني ) صفتان لأحد ، وحكم المعطلة وعبدة الأوثان وثان يعلم بالطريق الأولى ، أو بدلان عنه بدل البعض من الكل ، وخصا لأن كفرهما أقبح وعلى كل لا زائدة لتأكيد الحكم ( ثم يموت ) فيه إشارة إلى أنه ولو تراخى إيمانه ووقع قبل الغرغرة نفعه ( ولم يؤمن بالذي أرسلت به ) أي من الدين المرضي ، والجملة حال ، أو عطف ( إلا كان ) أي في علم الله ، أو بمعنى يكون ، وتعبيره بالمضي لتحقق وقوعه ، وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال ( من أصحاب النار ) أي ملازميها بالخلود فيها وأما الذي سمع وآمن فحكمه على العكس ، وأما الذي لم يسمع ولم يؤمن فهو خارج عن هذا الوعيد .

ثم اعلم أن ( لا ) في ( لا يسمع ) بمعنى ليس ، ( وثم يموت ) عطف على يسمع المثبت ، ( ولم يؤمن ) عطف على يموت ، أو حال من فاعله وليس لنفي هذا المجموع ، وتقديره : ليس أحد يسمع بي ثم يموت ولم يؤمن ، أو غير مؤمن كائنا من أصحاب شيء إلا من أصحاب النار ( رواه مسلم ) .

( 11 ) ( وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ) أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ، ثم قدم مع أهل السفينة ورسول الله بخيبر . ولاه عمر بن الخطاب البصرة سنة عشرين ؛ فافتتح أبو موسى الأهواز ولم يزل على البصرة إلى صدر من خلافة عثمان ، ثم عزل عنها ، فانتقل إلى الكوفة ، فأقام بها . وكان واليا على أهل الكوفة إلى أن قتل عثمان ، ثم انتقل أبو موسى إلى مكة بعد التحكيم ، فلم يزل بها إلى أن مات سنة اثنين وخمسين .

( قال : قال رسول الله : ثلاثة ) أي أشخاص ثلاثة مبتدأ خبره ( لهم أجران ) أي لكل واحد أجران عظيمان مختصان به لا مشاركة لغيره فيهما .

Page 145