6

Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1422هـ - 2001م

Publisher Location

لبنان/ بيروت

ولهت نفسن الطروب إليكم

ولها حال دون طعم الطعام

وقيل : الوله المحبة الشديدة ، وقيل : مشتق من إله بمعنى عبد ، فالإله فعال بمعنى المعبود كالكتاب بمعنى المكتوب ، ويدل عليه قراءة ابن عباس : ( ( ويذرك والاهتك ) ) أي عبادتك . ثم قال سيبويه : ( ( الأصل في قولنا الله إله فما حذفت همزته عوضت في أوله الألف واللام عوضا لازما فقيل الله ) ) . وقال المبرد : ( ( الأصل في لاه لوه على وزن دور فقلبوا [ الواو ] ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار لاه على وزن دار ، ثم أدخلوا عليه لام التعريف ) ) . وقال أبو الهيثم الرازي : ( ( الأصل في الله هو الإله خففت الهمزة بإلفاء حركتها على اللام الساكنة [ قبلها ] وحفت فصارت اللاه ، ثم أجريت الحركة العارضة مجرى الأصلية وأدغمت اللام الأولى في الثانية ) ) . قيل : ههنا إشكال صرفي ، وهو أنه إن نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها أولا على ما هو القياس ، ثم حذفت فيلزم أن يكون وجوب الإدغام غير قياسي لما تقر في محله من أن المثلين المتحركين لا يجب فيهما الإذغام إ ذا كانا من كلمتين نحو ما سلككم ومناسككم ، وإن حذفت الهمزة مع حركتها فيلزم مخالفة القياس في تخيفيها وإن كان لزوم الإدغام على القياس ، ومن ثم قيل : هذا الاسم خارج عن متقضى القياس ، في تخفيفها وإن كان لزوم الإدغام على القياس ، ومن ثم قيل : ها الاسم خارج عن متقضى القياس ، كما أن مسماه خارج عن دائرة قياس الناس . وأجبيب باختيار الأول ومنع كون الإدغام في كلمتين بأنه لما جعل اللام عوضا عن الهمزة وصار بمنزلتها صار كأنه في كلمة واحدة ، على أنه يجوز أن يكون وجوب الإدغام بعد العلمية فيكون الاجتماع في كلمة واحدة قطعا . قلت : التحقيق أنه كما أن النقل فيه قياس غير مطرد فكذلك الإدغام في كلمتين ، ويكفي جوازه ولا يحتاج إلى وجوبه ؛ مع أن الإذغام في كلمتين اتفق عليه القراء في قوله : @QB@ لا تأمنا @QE@ [ يوسف - 11 ] والحق أنه نظير قوله تعالى : ^ ( لكنا هو الله ربي ) ^ [ الكهف - 38 ] فإن الأصل لكن أنا ، فحولوا الفتحة إلى ما قبلها من النون ، فاجتمعت نونان متحركتان فأسكنوا الأولى وأدغموها في الثانية ، وهذا القول محكي عن الفراء . وقيل : ( ( الأصل فيه هاء الكناية عن الغائب ) ) ، وذلك أنهم أثبتوا موجوجا في نظر عقولهم وأشاروا إليه بحرف الكناية ، ثم زادوا فيه لام الملك لما علموا أنه خالق الأشياء ومالكها ، فصار له ، ثم قصروا الهاء وأشبعوا فتحة اللام فصار لاه ؛ وخرج عن معنى الإضافة إلى الاسم المفرد فزيدت فيه الألف واللام للتعريف تعطيما ، وفخموه تأكيدا لهذا المعنى ، فصار الله كما ترى ، وهذا أقرب بإشارات الصوفية من تحقيق اللغة العربي . وقيل : ( ( ليس هو بمشتق بل هو علم ابتداء لذاته المخصوصة من غير ملاحظة معنى من المعاني المذكورة ) ) . ويلائم هذا المذهب ما ذكره بعض العارفين ، من أنه اسم للذات الإلهية من حيث هي على الإطلاق ، لا باعتبار اتصافها بالصفات ولا باعتبار لا اتصافها بها ، ولذا قال الجمهور : ( ( إنه الاسم الأعظم ) ) ، قال القطب الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني : ( ( الاسم الأعظم هو الله ، لكن بشرط أن تقول الله وليس في قلبك سواه ) ) . | وقد خص هذا الاسم بخواص لا توجد في غيره كما ذكره أهل العربية ، منها أنه تنسب سائر الأسماء إليه ولا ينسب هو إلى شيء منها ، ومنها أنه لم يسم به أحد من الخلق بخلاف سائر الأسماء ، ومنها أنهم ألزموه الألف اللام [ عوضا لازما عن همزته ولم يفعل ذلك في غيره ، ومنها أنهم قالوا يا الله فقطعوا همزته ، ومنها أنهم جمعوا بين يا التي للنداء وبين الألف واللام ] ولم يفعل ذلك في غيره حال سعة الكلام ، ومنها تخصيصهم إياه في القسم بإدخال التاء وأيمن وأيم في قولهم تالله وأيمن الله وأيم الله ، ومنها تفتخيم لامه إذا انفتح ما قبله أو انضم ، سنة ورثتها العرب كابرا عن كابر وتواتر نقل عن القراء عن رسول اله صلى الله عليه وسلم ، وحذف ألفه لحن تفسد به الصلاة . | و ( الرحمن ) فعلان من رحم كغضبان من غضب ، على أنه صفة مشبهة بجعل الفعل المتعدي لازما فينقل إلى فعل العين فيشتق منه الصفة المشبهة . | وأما ( الرحيم ) فإن جعل صيغة مبالغة كما نص عليه سيبويه في قولهم هو رحيم فلا إشكال ، وإن جعل من الصفات المشبهة كما يشعر به كلام الكشاف فالوجه ما ذكر في الرحمن . ثم في الرحمن زيادة مبالغة من الرحيم ، لأن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى ، وهي إما بحسب شموله للدارين واختصاص الرحيم بالدنيا كما وقع في بعض الآثار ( ( يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا ) ) ، وإما بحسب كثرة أفراد المرحومين وقلتها كما ورد ( ( يا رحمن الدنيا ورحيم الأخرة ) ) ، وإما بحسب جلالة النعم ودقتها . وبالجملة ففي الرحمن مبالغة في معنى رحمن الدنيا والآخرة ورحميهما ) ) لجواز حملهما على الجلائل والدقائق ، وقيل : رحمة الرحمن تتعلق بالمؤمن والكافر في الدنيا ورحمة الرحيم تختص بالمؤمنين في العقبى . ولا يجوز إطلاق الرحمن على غيره تعالى بخلاف الرحيم ، قال تعالى : ^ ( لقد جاءكم رسول الله من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) [ التوبة - 128 ] ولذا قيل : الرحمن خاص اللفظ عام المعنى والرحيم عام اللفظ خاص المعنى . | ثم الرحمة في اللغة رقة القلب وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان ، وهي من الكيفيات التابعة للمزاج ، والله سبحانه منزه عنها فإطلاقها عليه سبحانه إنما هو باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي هي من الانفعالات ، فهي عبارة عن الإنعام فتكون من صفات الأفعال ، أو عن إرادة الإحسان فتكون من صفات الذات ، فإن كل واحد منها مسبب عن رقة القلب والانعطاق فتكون مجازا مرسلا من باب إطلاق السبب على المسبب . وقدم الرحمن على الرحيم مع أن القسا الترقي في الصفات من الأدنى إلى الأعلى بناء على الرحيم كالتتمة والرديف للرحمن ، أو لزيادة شبهه بالله حيث اختص به سبحانه حتى قيل : إنه علم له ، أو لتقدم رحمة الدنيا . وفي الاكتفاء بهاتين الصفتين من صفات الجمخال وعدم ذكر صفة من صفات الجلال إشعار بقوله تعالى في الحديث القدسي : ( ( غلبت رحمتي غضبي ) ) وفي الختم بالرحيم إيماء بحسن خاتمة المؤمنين وأن العاقبة للمتقين بعد حصول رحمته لعموم الخلق أجمعين : | ( الحمد لله ) قيل ؟ : الحمد والمدج والشكر ألفاظ مترادفة ، والمحققون بينها يفرقون ويقولون : إن الحمد : ( ( هو الثناء باللسان على الجميل الاخيتاري من نعمة وغيرها ) ) ، والمدح يعم الاختياري وغيره ، ولذا يقال : مدحته على حسنة ولا يقال : حمدته عليه ، والشكر : ( ( فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بمقابلة النعمة سواء يكون باللسان أو الجنان والأركان ) ) ، فمورد الحمد خالص ومتعلقة عام والشكر بخلافة ، وحقيقة الشكر ما روي عن الجنيد أنه : ( ( صرف العبد جميع ما أنعم الله [ به ] عليه إلى ما خلق لأجله ) ) ، ورفعه بالابتداء وخبره لله وأصله النصب وقرئ به ، وإنما عدل به إلى الرفع دلالة على الدوام والثبات ، وقرئ بإتباع الدال اللام وبالعكس تنزيلا لهما لكثرة استعمالها معا منزلة كلمة واحدة . | ثم الجملة خبرية لفظا انشائية معنى قائلها بها حامدا ، ولو كانت خبرية معنى لم يسم إلا مخبرا ، ومعلوم أنه لا يشتق للمخبر اسم فاعل من ذلك الشيء إذ لا يقال لمن قال الضرب مؤلم ضارب ، فإن قيل : جاز أن يعد الشرع المخبر يثبوت الحمد له تعالى حامدا ، أجبيب بأنه خلاف الأصل والأصل عدمه . واللام للاستغراق أي كل حمد صدر من كل حامد فهو ثابت الله ، أو للجنس ويستفاد العموم من لام الاختصاص ، وعلى التقديرين فجميع أفراد الحمد مختص له تعالى حقيقة وإن كان قد يوجد بعضها لغيره صورة ، أو الحمد مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول أي الحامدية والمحمودية ثابتان له تعالى فهو الحامد وهو المحمود ، أو للعهد فإن حمده لائق له ولذا أظهر العجز [ أحمد الخلق ] عن حمده وقال : ( ( لا أحصي ثناء عليك انت كما أثنيت على نفسك ( نحمده ) استئناف فأولا أثبت الحمد له بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام سواء حمد أو لم يحمد ، فهو إخبار متضمن للإنشاء ، وثانيا أخبر عن حمده وحمد غيره معه بالجملة الفعلية التي للتجدد والحدوث بحسب تجدد النعماء وتعدد الآلاء وحدوثها في الآناء ، أو المراد نشكره إما مطلقا أو على توفيق الحمد سابقا . ( ونسعينه ) أي في الحمد وغيره من الأمور الدنيوية أو الأخروية فيكون تبريا من الحول والقوة النفسية - وفيه إشارة إلى رد القدرية كما أن فيما ردا على الجبرية - ولم يقل وإياه نستعين لأن مقام الاختصاص لا يدركه إلا الخواص ، ولذا قال ابن دينار : ( ( لولا وجوب قراءة الفاتحة لما قرأتها لعدم صدقي فيها ) ) ، ( ويستغفره ) أي من السيئات والتقصيرات ولو في الحمد والاستعانة وسائر العبادات ، ( ونعود بالله ) أي نلتجئ ونعتضم بعونه وحفظه ( من شرور أنفسنا ) أي من ظهور السيئات الباطنية التي جبلت الأنفس عليها ، قيل : منها الحمد مع الرياء والسمعة وكذا مع إثبات الحول والقوة ( ومن سيئات أعمالنا ) أي من مباشرة الأعمال السيئة الظاهرة التي تنشأ عنها ، وفيه اعتراف بأن البواطن والظواهر مملوءة من العيوب ومحشوة من الذنوب ، ولذا قيل : ( ( وجودك ذنب لا يقاس به ذنب ) ) ، قيل : منها التصيف بلا إخلاص وعدم رؤية التوفيق والاختصاص ، ولولا حفظه تعالى مع توفيقه لما استقام أحد على طريقه ( ( لولا الله ما أهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ) ) . ( من يهده الله ) أي من يرد الله هدايته الموصلة إليه وعنايته المقربة لديه ، ( فلا مضل له ) أي فلا أحد يقدر على إضلاله من المضلين من شياطين الإنس والجن أجمعين ، ( ومن يضلل ) أي من يرد الله جهالته وعن الوصول إلى الحق ضلالته ( فلا هادي له ) أي فلا أحد يقدر على هدايته من الهادين من الأنبياء والمرسلين قال الله تعالى : ^ ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمتهدين ) ^ [ القصص - 56 ] وفيه إيذان بأن الأمر كله لله وليس لما سواه إلا ما قدر له وقضاه من الكسب والاختيار @QB@ وربك يخلق ما يشاء ويختار @QE@ [ القصص - 68 ] ولظهور قصور عقولنا الفانية عن إدراك أسرار الحكم البالغة الباقية قال علي كرم الله وجهه : ( ( لا يظهر سر القضاء والقدر إلا يوم القيامة ) ) . | ثم اعلم أن الضمير البارز ثابت في يهده ، وأما في يضلل فغير موجود في أكثر النسخ ، وهو عمل بالجائزين والأول أصل وفيه وصل والثاني فرع وفيه فصل ، وفيه نكته أخرى لا تخفى على أرباب الصفا . | ( وأشهد ) أي أعلم وأبين ( أن لا إله ) أي لا معبود ، أو لا مقصود ، أو لا موجود في نظر أرباب الشهود ( إلا الله ) أي الذات الواجب الوجود صاحب الكرم والجود . قال الطيبي : ( ( أفرد الضمير في مقام التوحيد لأنه إسقاط الحدوث وإثبات القدم فأشار أولا إلى التفرقة وثانيا إلى الجمع ) ) 1 ه . وقد يقال : إن الأفعال المتقدمة أمور ظاهرية يحكم بوجودها على الغير أيضا بخلاف الشهادة فإنه أمر قلبي غيبي لا يعلم بحقيقته إلا هو ، ( شهادة ) مفعول مطلق موصوف بقوله ( تكون ) أي بخلوصها ( للنجاة ) أي الخلاص من العذاب في الدارين على تقدير الاكتفاء [ بها ] ( وسيلة ) أي سببا لا علة ( ولرفع الدرجات ) أي العاليات في الجنان الباقيات ( كفيلة ) أي متضمنة [ ملتزمة ] ، والمعنى أن الشهادة إذا تكررت وانتجت ارتكاب الأعمال الصالحة واجتناب الأفعال الطالحة صارت سببا لعلو الدرجات وكانت مانعة عن الوقوع في الدركات . وبما قررناه اندفع ما يرد على المصنف من أن دخول الجنة بالإيمان ورفع الدرجات بالأعمال ، ولكون التوفيق على هذا السبب ومن فضله لا ينافي قوله عليه الصلاة والسلام : ( ( لن ينحى أحد بعمله ) ) . | ( وأشهد أن محمدا ) هو في الأصل اسم مفعول من حمد مبالغة حمد ، نثل من الوصفية إلى الاسمية ، سمي به والأسماء تنزل من السماء لوصوله إلى المقام المحمود الي يحمده الأولون والآخرون ( عبده ) إضافة تشريف وتخصيص إشارة إلى كمال مرتبته في مقام العبودية بالقيام في أداء حق الربوبية ، وقدمه لأنه أشرف أوصافه وأعلاها وأفضلها وأغلاها ، ولذا ذكره الله تعالى بهذا الوصف في كثير من المواضع فقال : ( ( سبحان الذي أسرى بعبده ) ^ [ الإسراء - 1 ] ^ ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ) ^ [ الفرقان - 1 ] ^ ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) ^ [ النجم - 10 ] ولله در القائل :

لا تدعني إلا بيا عبديا

فإنه أشرف أسمائيا

وما أحسن قول القاضي عياض :

ومما زادني عجبا وتيها

وكدت بأخمصي أطأ الثريا

Page 50