Mirqāt al-Mafātīḥ sharḥ Mishkāt al-Maṣābīḥ
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
Editor
جمال عيتاني
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1422هـ - 2001م
Publisher Location
لبنان/ بيروت
دخولي تحت قولك يا عبادي
وأن صيرت أحمد لي نبيا
( ورسوله ) إشارة إلى أعلى مراتب القرب وأولى منازل الحب ، وهو الفرد الأكمل والواصل إلى المقام الأفضل ، وفي الجمع بين الوصفين تعريض للنصارى حيث غلوا في دينهم وأطروا في مدح نبيهم . ثم قيل : النبي والرسول مترادفان ، والأصح أن النبي : ( ( إنسان ذكر حر من بني آدم أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه فإن أمر به فرسول أيضا ) ) ، فالأول أعم من الثاني فكل رسول نبي ولا عكس ، وذكر الأخص في هذا المقام أنص على معنى المرام ، ( الذي بعثه ) أي الله ، كما في نسخة ، أي أرسله إلى الثقلين ، وقيل : إلى الملائكة أيضا ، وقيل إلى سائر الحيوانات ، وقيل إلى جميع المخلوقات كما يدل عليه خبر مسلم : ( ( وأرسلت إلى الخلق كافة ) ) ، ( وطرق حال الإيمان ) من الأنبياء والكتب والعلماء ( قد عفت آثارها ) أي اندرست أخبارها ، والجملة حالية ، والمعنى : أن الله تعالى أرسله وأظهره في حال كمال احتياج الناس إليه عليه الصلاة والسلام ، فإنهم كانوا في غاية من الضلالة ونهاية من الجهالة إذ لم يكن حينئذ على وجه الأرض من يعرفها إلا أفراد من أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام ، استوطنوا زوايا الخمول ورؤوس الجبال ، وآثروا الوحدة والأفول عن الخلق بالاعتزال ، ( وخبت أنوارها ) أي خفيت وانطفأت بحيث لا يمكن اقتباس العلم المشبه بالنور كما في كمال الظهور ، ( ووهنت ) أي ضعفت حتى انعدمت ( أركانها ) من أساس التوحيد والنبوة والإيمان بالبعث والقيامة ، وقيل : المراد الصلوات والزكوات وسائر العبادات ، ( وجهل ) بصيغة المجهول ( مكانها ) مبالغة في ظهور ظلمة الجهل وغلبة الفسق وكثرة الظلم وقلة العدل ، ( فشيد ) أي رفع وعلى وأظهر وقوى بما أعطيه من العلوم والمعارف التي لم يؤتها أحد مثله فيما مضى ( صلوات الله ) أي أنواع رحمته وأصناف عنايته نازلة ( عليه ) وفائفة لديه ومتوجهة إليه ، وفي نسخة منسوبة إلى السيد عفيلف الدين زيادة ( وسلامه عليه ) يعني جنس السلامة من كل آفة في الدارين ، وهي جملة معترضة إخبارية ، أو دعائية وهي الأظهر ( من معالمها ) جمع المعلم وهو العلامة ( ما عفا ) [ ما ] موصولة [ أو موصوفة ] مفعول شيد ، ومن بيانية متقدمة ، والمعنى : أظهر وبين ما اندرس وخفي من آثار طرق الإيمان وعلامات أسباب العرفان والإيقان ( وشفى ) عطف على شيد ( من العليل ) بيان مقدم لمن رعاية للسجع ( في تأييد كلمة التوحيد ) أي تأكيده وتقويته ونصرته وإعانته متعلق بشفى ومفعوله قوله ( من كان على شفا ) أي وخلص من كان قريبا من الوقوع في حفرة الجحيم والسقوط في بئر الحميم ، إشارة إلى قوله تعالى : ^ ( وكنتم على شفا [ أي طرف ] حفرة من النار فانقذكم منها ) ^ [ آل عمران - 103 ] . وقيل : من للتبعيض ، أي أبرأ من جملة المعلولين من كان على إشراف من الهلاك إيماء إلى أنه طبيب العيوب وحبيب القلوب . وفي الكلام صنعة جناس ، وهو تشابه الكلمتين لفظا ، وصنعه طباق وهو الجمع بين الضدين في الجملة . وأغرب السيد جمال الدين حيث قال : والعليل بعين مهملة في أصل سماعنا وجميع النسخ الحاضرة ، ويجوز أن يقرأ بغين معجمة ويكون من الغل بمعنى الحقد ، ووجه غرابته إما لفظا فلفوت المناسبة بين الشفاء والعلة ، وإما معنى فلذهاب عموم العلل المستفاد من جنس العليل ، واقتصاره على علة الحقد فقط مع عدم ملاءمته للمقام ، ( وأوضح سبيل الهداية ) أي بين وعين طريق الاهتداء إلى المطلوب وسبيل الوصول إلى المحبوب ( لمن أراد أن يسلكها ) والسبيل يذكر ويؤنث أي لمن طلب وشاء من نفسه أن يدخل فيها ، وإرادة العبد تابعة لإرادة الله تعالى : @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ [ الإنسان - 30 ] ( وأظهر كنوز السعادة ) أي المعنوية وهي المعارف والعلوم والأعمال العلية والأخلاق والشمائل والأحوال البهية المؤدية إلى الكنوز الأبدية والخزائن السرمدية ( لمن قصد أن يملكها ) أي بملكه يتوصل بها إلى ملكها ويتوسل بها إلى ملكها . قال تعالى : @QB@ وإذا رأيت ثم رأيت نعيما @QE@ أي كثيرا | @QB@ وملكا كبيرا @QE@ [ الإنسان - 20 ] ، وفي قوله أراد وقصد ، إشارة إلى ما قال بعض المشايخ لا بد من السعي ولا يحصل بالسعي ، ووجه التخصيص أنهم المنتفعون بالإيضاح والإظهار كقوله تعالى : ^ ( هدى للمتقين ) ) [ البقرة - 2 ] . | ثم قيل : يرد عليه بناء على النسخة المشهورة في الاكتفاء بالصلاة دون السلام ما نقله النووي عن العلماء من كراهة إفراد أحداهما عن الآخر ، لكن يحتمل أن محل الكراهة فيمن اتخذه عادة وهو ظاهر ، أو يحمل على أنه جمع بينهما بلسانه واقتصر على كتابه أحدهما وهذا بعيد ، أو الكراهة بمعنى خلاف الأولى لإطلاقها عليه كثرا وهو الأولى . | ( أما بعد ) أتى به اقتداء به عليه الصلاة والسلام وبأصحابه فإنهم كانوا يأتون به في خطبهم للانتقال من أسلوب إلى آخر ، ويسمى فصل الخطاب ، قيل : أول من قال به داود عليه الصلاة والسلام ، وأما التفصيل المجمل وهو كلمة شرط محذوف فعله وجوبا ، وبعد من الظروف الزمانية متعلق بالشرط المحذوف ، وهو مبني على الضم لقطعه عن الإضافة والمضاف إليه منوي ؛ والتقدير مهما يذكر شيء من الأشياء بعد ما ذكر من البسملة والحمدلة والصلاة والثناء ( فإن التمسك بهديه ) أي التشبت والتعلق بطريقة عليه الصلاة والسلام ( لا يستتب ) بتشديد الموحدة ، أي لا يستقيم ولا يستمر أو لا يتهيا ولا يتأتي ( إلا بالاقتفاء ) أي بالاتباع التام ( لما صدر ) أي ظهر ( من مشكاته ) أي صدره أو قلبه أو فمه ، والأول أظهر فإن المشكاة لغة : ( ( هي الكوة في الجدار الغير النافذ يوضع فيها المصباح ) ) ، استعيرت لصدره عليه الصلاة والسلام لأنه كالكوة ذو وجهتين فمن جهة يقتبس النور من القلب المستنبر ومن أخرى يفيض ذلك النور المقتبس على الخلق ، وشبهت اللطيفة القدسية التي هي القلب بالمصباح المضيء . ثم الكل مأخوذ من قوله تعالى : ^ ( الله نور السموات والأرض مثل نوره ) ^ قيل نور محمد ^ ( كمشكوة فيها مصباح ) ^ [ النور - 35 ] هذا ويحتمل أن يرجع الضمير في هديه إلى الله تعالى ، والمراد بهديه توحيده ويؤيده عطف قوله الآتي والاعتصام بحبل الله عليه غايته أنه وضع الظاهر موضع الضمير دفعا للتوهم وتبعا للوارد في قوله تعالى : ^ ( واعتصموا بحبل الله ) ^ [ آل عمران - 103 ] وعكس في الأول لظهوره ودلالة المقام عليه فلو بين الضمير بالتصريح لكان أولى سيما مع وجود الفصل بفصل الخطاب والله أعلم بالصواب ، ( والاعتصام ) بالنصب ويجوز رفعه ، أي التمسك ( بحبل الله ) وهو القرآن لما ورد : ( ( القرآن حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض ، شبه به لأنه يتوسل به إلى المقصود ويحصل به الصعود إلى مراتب السعود ، وفيه إشارة إلى أنه قابل للتعلي والتدلي ولذا ورد في الحديث : ( ( القرآن حجة لك أو عليك ) ) ، فهو كالنيل ماء لمحجوبين قال تعالى : @QB@ يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا @QE@ [ البقرة - 26 ] @QB@ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا @QE@ [ الإسراء - 82 ] ( لا يتم ) أي لا يكمل الاعتصام بالكتاب ( إلا ببيان كشفه ) أي من السنة النبوية والإضافة بيانية ، قال تعالى : @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ [ النحل - 24 ] ولا خفاء في الإجمالات القرآنية والبيينات الحديثية ، فإن الصلاة مجملة لم يبين أوقاتها وأعدادها وأركانها وشرائطها وواجباتها وسننها ومكروهاتها ومفسداتها إلا السن ، وكذا الزكاة لم يعلم مقدارها وتفاصيل نصابها ومصارفها إلا بالحديث ، وكذا الصوم والحج وسائر الأمور الشرعية والقضايا والأحكام الدينية وتمييز الحلا والحرام وتفاصيل الأحوال الأخروية . فعليك بالكتاب والسنة وإجماع الأمة بالاجتناب عن طريق أرباب الهوى وأصحاب البدعة ، لتكون من الفرقة الناجية السالكة طريق المتابعة ، على وجه الاستقامة ، ولله در القائل :
كل العلوم سوى القرآن مشغلة
إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
Page 53