Munāẓarāt Ibn Taymiyya maʿa fuqahāʾ ʿaṣrih
مناظرات ابن تيمية مع فقهاء عصره
Publisher
دار الكتاب العملي
Publication Year
1405 AH
Your recent searches will show up here
Munāẓarāt Ibn Taymiyya maʿa fuqahāʾ ʿaṣrih
Al-Sayyid al-Jumaylīمناظرات ابن تيمية مع فقهاء عصره
Publisher
دار الكتاب العملي
Publication Year
1405 AH
ظلم، فالقصاص عدلٌ والتجاوز فضل، وابن تيمية قد بلغ درجة راقية من الفضل والفضيلة شهد له بها معاصروه.
عاد الشيخ إلى القاهرة فوصل في اليوم الثامن من شوال سنة ٧٠٩ هـ وأكرمه وقتذاك الناصر المتربع على عرش مصر وهو الذي دعاه إليها، فاتخذ الشيخ مقراً على مقربة من المشهد الحسيني، ثم انصرف للعلم انصرافاً مطلقاً، وجاء إليه الذين أساءوا إليه يعتذرون فقال في كلمة لا استثناء فيها:
«كل من آذاني فهو اليوم في حل من جهتي»(١).
ليس هذا فحسب إنما ثمة موقف يدل لنا بلا ريب على تمكن النزعات الإنسانية في تركيب ابن تيمية، وخلوه من الحقد وغريزة الانتقام مما يؤكد لنا أن نفسه النقية كانت مفطورة على الخير مطبوعة على الحق الذي يجعلها تتحرج من أن تغضب الله في أي شيء، وهذا الموقف هو أن الملك الناصر لما استقر به الأمر واستتب له الملك، أراد أن ينتقم من العلماء والقضاة الذين مالئوا خصمه عليه، وهم أنفسهم الذين حكموا عليه بالحبس وإيداعه السجن في المحنة الأولى، وبقي بسبب حيفهم(٢) وضيمهم له ثمانية عشر شهراً في السجن، فاستفتى الناصر بن تيمية في ذلك، فإذا بالشيخ التقي النقي الورع يفتي بأن دماءهم حرامٌ عليه، وأنه لا يحل إنزال الأذى بهم، فقال له السلطان: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مراراً، فقال الشيخ الفاضل الكريم: «من آذاني فهو في حل مني، ومن آذى الله ورسوله، فالله ينتقم منه، ولا أنتصر لنفسي»(٣).
ولم يكتف ابن تيمية بهذا العفو الشخصي، إنما طالب الناصر بالعفو عنهم فكان يقول له: «إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم أمثالهم» وما زال به حتى عفا عنهم.
(١) البداية والنهاية لابن كثير (١٤/٥٤) بتصرف، وقد قال عنه قاضي المالكية ابن مخلوف: «ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا» اهـ.
(٢) الحيف والضيم: كلاهما بمعنى الظلم.
(٣) البداية والنهاية (١٤/٥٤) بتصرف.
122