Al-Masawadda fī uṣūl al-fiqh
المسودة في أصول الفقه
Editor
محمد محيى الدين عبد الحميد
Publisher
المدني
Publisher Location
القاهرة
خطاب الله لاهل الكتاب وبنى اسرائيل فى القرآن على وجهين أحدهما خطاب على لسان محمد صلى الله عليه وسلم تسليما مثل قوله فى سورة البقرة
﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾
إلى قطعة من السورة وكذلك فى آل عمران والنساء
﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾
﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا﴾
ونحو ذلك فهذا حكم سائر الناس فيه حكم بنى اسرائيل وأهل الكتاب ( ان شركوهم ) فى المعنى دخلوا والا لم يدخلوا لان بنى اسرائيل وأهل الكتاب صنف من المأمورين بالقرآن بمنزلة خطابه لاهل أحد وعتابه لهم فى قوله
﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾
إلى أواخر السورة أو خطابه لاهل بدر بقوله
﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾
وبمنزلة قوله
﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾
ونحو ذلك فان الخطاب المواجه به صنف من الامة المدعوة أو شخص يشمل سائر المدعوين وهذا نظير خطابه لواحد من الامة المدعوة فانه يثبت الحكم فى حق مثله اذ الامر تارة يتوجه إلى الامة المدعوة وتارة يتوجه إلى الامة المجيبة ثم الشمول هنا هل هو بطريق العادة العرفية أو الاعتبار العقلى فيه الخلاف المعروف وسره أن المخاطب قصد بنفس ذلك الخطاب الخاص فى اللغة العموم أو لم يقصد به الا الخاص لكن قصد العموم من غير هذا الخطاب وعلى هذا يبنى استدلال عامة الامة على حكمنا بمثل قوله
﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾
فان هذه الضمائر جميعها مع بنى اسرائيل
فأما خطابه لهم على لسان موسى وغيره من الانبياء عليهم السلام فهى مسألة شرع من قبلنا والحكم هنا لا يثبت بطريق العموم الخطابى قطعا لكن يثبت بطريق الاعتبار العقلى عند الجمهور كما دل عليه قوله
﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾
وقوله
﴿فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها﴾
وقوله
﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾
ونحو ذلك وهذا ينتفع به ويحتاج فى أكثر المواضع إلى أصل آخر يعم هذا وغيره وهو أن الحمد والذم اذا كان على جنس فعل قد علق به ثواب أو عقاب فانه يحصل للمكلف من ذلك الجنس بقدر نصيبه منه فان قام به البعض استوجب بعض الثواب اذا لم يكن فعل البعض شرطا فى فعل البعض كصوم طرفى النهار مثلا والغالب فى الذم عدم الارتباط وفى الحمد قد يقع الارتباط فإن إستحقاق الذم على المعصية ليس مشروطا في الغالب بمعصية أخرى بخلاف فإن استحقاق الثواب على الطاعة فاذا ذموا على جنس فعل ذم قليله وكثيره ثم ذلك الجنس قد يشمله اللفظ وهو ظاهر كقوله
﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق﴾
﴿أتأمرون الناس بالبر﴾
وقد لا يشمله اللفظ الا بطريق العبرة كما فى قوله
﴿قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه﴾
ونحو ذلك وقد يكون الشمول هنا بالعموم العرفى كما فى قوله ( قنطار ) ودينار و ( أف ) ونحو ذلك
Page 43