107

Nashwār al-muḥāḍara wa-akhbār al-mudhākara

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

Editor

مصطفى حسين عبد الهادي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1424هـ-2004م

Publisher Location

بيروت / لبنان

وكانت أكثر مخاريق الحسين بن منصور الحلاج ، هذا ، التي يظهرها كالمعجزات ، ويستغوي بها جهلة الناس ، إظهار المآكل في غير أوانها ، بحيل بقيمها ، فمن لا تنكشف له ، يتهوس بها ، ومن كان فطنا ، لم تخف عليه . فمن طريف ذلك ، ما أخبرني بها أبو بكر محمد بن إسحاق بن إبراهيم الشاهد الأهوازي ، قال : أخبرني فلان المنجم ، وأسماه ، ووصفه بالحذق والفراهة ، قال : بلغني خبر الحلاج ، وما كان يفعله من إظهار تلك العجائب والمخرقات التي يدعي أنها معجزات ، فقلت أمضي وانظر من أي جنس هي من المخاريق . فجئته ، كأني مسترشد في الدين ، فخاطبني وخاطبته ، ثم قال : تشه الساعة ما شئت ، حتى أجيئك به . وكنا في بعض بلدان الجبل التي لا تكون فيها الأنهار ، فقلت له : أريد سمكا طريا في الحياة الساعة . فقال : أفعل ، اجلس مكانك . فجلست ، وقام ، وقال : أدخل البيت ، وأدعو الله تعالى أن يبعث لك به . قال : فدخل بيتا حيالي وأغلق بابه ، وأبطأ ساعة طويلة ، ثمجاءني وقد خاض وحلا إلى ركبته ، وماء ، ومعه سمكة تضطرب كبيرة . فقلت له : ما هذا ؟ فقال : دعوت الله تعالى ، فأمرني أن أقصد البطائح فأجيئك بهذه ، فمضيت إلى البطائح فخضت الأهوار ، وهذا الطين منها ، حتى أخذت هذه . فعلمت أن هذه حيلة ، فقلت له : تدعني أدخل البيت ، فإن لم تنكشف لي حيلة فيه آمنت بك . فقال : شأنك . ودخلت البيت ، وأغلقته على نفسي ، فلم أجد فيه طريقا ولا حيلة . فندمت ، وقلت : إن أنا وجدت فيه حيلة وكشفتها له ، لم آمن أن يقتلني في الدار ، وإن لم أجد ، طالبني بتصديقه ، فكيف أعمل ؟ قال : وفكرت في البيت ، فدققت تأزيره ، وكان مؤزرا بإزار ساج ، فإذا بعض التأزير فارغ ، فحركت منه جسرية خمنت عليها ، فإذا هي قد انقلعت ، فدخلت فيها ، فإذا ثم باب مسمر ، فولجت منه إلى دار كبيرة ، فيها بستان عظيم ، فيه صنوف الأشجار ، والثمار ، والنوار ، والريحان ، التي هي في وقتها ، وما ليس هو في وقته ، مما قد عتق ، وغطي ، واحتيل في بقائه ، وإذا بخزائن مليحة ، فيها أنواع الأطعمة المفروغ منها ، والحوائج لما يعمل في الحال ، إذ طلب ، وإذا بركة كبيرة في الدار ، فخضتها ، فإذا هي مملوءة سمكا ، كبارا وصغارا ، فاصطدمت واحدة كبيرة ، وخرجت ، فإذا رجلي قد صارت بالوحل والماء إلى حد ما رأيت رجله . فقلت : الآن إن خرجت ، ورأى هذا معي ، فقتلني ، فقلت : أحيال عليه في الخروج . فلما رجعت إلى البيت ، أقبلت أقول : آمنت ، وصدقت . فقال لي : ما لك ؟ قلت : ما هاهنا حيلة ، وليس إلا التصديق بك . قال : فاخرج . فخرجت ، وقد بعد عن الباب ، وتموه عليه قولي ، فحين خرجت ، أقبلت أعدو إلى باب الدار ، ورأى السمكة معي ، فقصدني ، وعلم أني قد عرفت حيلته ، فأقبل يعدو خلفي ، فلحقني ، فضربت بالسمكة صدره ووجهه ، وقلت له : أتعبتني ، حتى مضيت إلى اليم ، فاستخرجت لك هذه منه . قال : فاشتغل عني بصدره وبعينيه ، وما أصابه من السمكة ، وخرجت . فلما صرت خارج الدار ، طرحت نفسي مستلقيا ، لما لحقني من الجزع والفزع . فخرج إلي ، وصاح بي ، وقال : ادخل . فقلت : هيهات ، والله لئن دخلت ، لا تركتني أخرج أبدا . فقال : اسمع ، والله لئن شئت قتلك على فراشك ، لأفعلن ، ولئن سمعت بهذه الحكاية لأقتلنك ، ولو كنت في تخوم الأرض ، وما دام خبرها مستورا ، فأنت آمن على نفسك ، امض الآن حيث شئت ، وتركني ، ودخل . فعلمت أنه يقدر على ذلك ، بأن يدس أحد من يطيعه ويعتقد فيه ما يعتقد ، فيقتلني . فما حكيت الحكاية ، إلى أن قتل . ؟

Page 112