133

Rawḍ al-jinān fī sharḥ Irshād al-adhhān

روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان

والمراد به النابع غير البئر سواء جرى أم لا وإطلاق اسم الجاري عليه أما حقيقة عرفية أو تغليب لبعض أفراده على الجميع وأما الجاري غير النابع فهو من أقسام الواقف وسيأتي ولا ينجس الجاري إلا بتغير أحد أوصافه الثلاثة لونه أو طعمه أو ريحه لا مطلق الصفات كالحرارة ونحوها بالنجاسة متعلق بالمصدر وهو تغير ويستفاد من الاستثناء من المنفى المقتضى لحصر الحكم في المثبت أنه لو تغير في أحد أوصافه بالمتنجس لا بالنجاسة لم ينجس كما لو وضع فيه دبس نجس فغير طعمه بحيث لو انفردت النجاسة المنجسة للدبس عنه ووضعت في الجاري لم تغيره والمراد برائحة الماء سلامته من رائحة مكتسبة سواء كان له رائحة في أصله أم لا وكذا القول في قسيميها والمعتبر في التغيير بالنجاسة ما كان بواسطة ملاقاتها فلا ينجس بالتغير الحاصل من المجاورة ومرور الرائحة على الماء كالجيفة الملقاة على جانب الشط فيتغير بها وهل المعتبر في التغير الحسى أو التقديري ظاهر المذهب الأول وهو اختيار الشهيد رحمه الله واختار المصنف الثاني فلو وقعت نجاسة مسلوبة الصفات في الجاري والكثير وهو باق على طهارته على الأول لدوران النجاسة مع تغير أحد الأوصاف الثلاثة والتغير حقيقة هو الحسى ولم يحصل والمصنف يقدرها على أوصاف مخالفة كالحكومة في الحر فإن كان الماء يتغير بها على ذلك التقدير حكم بنجاسته وإلا فهو باق على طهارته واحتج على ذلك بأن التغير الذي هو مناط النجاسة دائر مع الأوصاف فإذا فقدت وجب تقديرها وهو عين المتنازع واحتج له بأن عدم وجوب التقدير يفضى إلى جواز الاستعمال وإن زادت النجاسة على الماء أضعافا وهو كالمعلوم البطلان وضعفه ظاهر فإنه مجرد استبعاد ولا ريب إن مختار المصنف أحوط إن لم يتوقف عليه عبادة مشروطة بالطهارة أو بإزالة النجاسة وإلا لم يتم الاحتياط وعليه يمكن تقدير المخالفة على وجه أشد كحدة الخل وذكا المسك وسواد الحبر لمناسبته النجاسة تغليظ الحكم وهو الظاهر من كلامه في النهاية واعتبار الوسط بناء على الأغلب وهل يغير أوصاف الماء وسطا لاختلافها في قبول التغير وعدمه كالعذوبة والملوحة والرقة والغلظة والصفا والكدورة فيه احتمال وما اختاره الشهيد رحمه الله أوضح فتوى وأسلم من تقدير ما ليس بموجود وترتب الحكم عليه واعلم أنه يستفاد من الحصر المذكور عدم اشتراط الكرية في الجاري كما هو المشهور بين الأصحاب بل قال في الذكرى لم أقف فيه على مخالف ممن سلف وحجتهم الاخبار عن أهل البيت عليهم السلام برفع البأس عن ملاقاته للنجاسة من غير تقييد بالكرية كقول الصادق عليه السلام لا بأس أن يبول الرجل في الماء الجاري ولأنه قاهر للنجاسة غالب عليها لعدم استقرارها ولأن تعليق الحكم على الوصف يشعر بالعلية ولأن الأصل الطهارة فتستصحب حتى تظهر دلالة تنافيه وذهب المصنف رحمه الله في سائر كتبه إلى اشتراطها فيه فلو كان دون الكر نجس كالواقف بمجرد ملاقاة النجاسة له مع تساوى سطوحه ومع اختلافها ما تحت النجاسة دون ما فوقها محتجا بعموم الأدلة الدالة على اعتبار الكرية ولا معارض له فيجب التمسك به وأجيب بتعارض العمومين والترجيح في جانب الشهرة لما ذكر فيخص اعتبار الكرية بغير النابع أقول في حجة المشهور نظر إذ لا دلالة في نفى البأس عن البول في الجاري على عدم انفعال القليل منه بالنجاسة بإحدى الدلالات والاستدلال بعمومه لو سلم فإنما يدل على جواز تنجيسه مع قلته وهو غير المتنازع ولمعارضته بقول علي عليه السلام نهى أن يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة فقد تساوى الماءان في النهى ومن ثم حكموا بكراهة البول فيهما ولا يرد أن النجاسة بأس فنفيه يقتضى نفيها لان المراد بالبأس في هذا ونظائره الحرام فإن البأس لغة هو العذاب وهو مسبب عن التحريم فأطلق اسمه على السبب إذ لا يصلح هنا غير ذلك من معاتب لغة وقهره للنجاسة وغلبته عليها لا يصلح دليلا شرعيا مع معارضته بماء البئر عندهم وخروجه بنص خاص عين المدعى هنا إذ لا معارض لدليل اشتراط الكرية في عدم

Page 134