106

Risālat al-ulfat bayn al-muslimīn

رسالة الألفة بين المسلمين

Editor

عبد الفتاح أبو غدة

Publisher

دار البشائر الإسلامية

Edition

الأولى

Publication Year

1417 AH

Publisher Location

حلب

فبهذا ونحوِه رأى المسلمون أن يهجروا من ظهرت عليه علاماتُ الزيغ من المُظهِرين للبدع، الداعين إليها، والمظهرين للكبائر، فأما من كان مستتراً بمعصية أو مُسراً لبدعةٍ غيرِ مكفِّرة، فإنَّ هذا لا يُهجَرُ، وإنما يُهْجَرُ الداعي إلى البدعة، إذ الهجر نوعٌ من العُقُوبة، وإنما يُعَاقَبُ من أظهر المعصية قولاً أو عملاً.

وأما من أظهر لنا خيراً فإنا نقبلُ علانيته، ونَكِلُ سريرته إلى الله تعالى، فإنَّ غايته أن يكون بمنزلة المنافقين الذين كان النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم يقبل علانيتَهم، ويَكِلُ سرائرَهم إلى الله، لمَّا جاءوا إليه عامَ تبوك يحلفون ويعتذرون.

ولهذا كان الإمام أحمد وأكثَرُ من قَبْلَهُ وبعدَهُ من الأئمة: كمالك وغيره، لا يقبلون روايةَ الداعي إلى بدعة، ولا يُجالِسونه، بخلاف الساكت،

= فجّعَلَ له ضرباً حتى دَمِيَ رأسُه، فقال: يا أميرَ المؤمنين حسبُك، قد ذهب الذي كنتُ أجدُ في رأسي.

وروى أيضاً عن نافع مولى ابن عمر: أن صبيغ العراقي جعلَ يسألُ عن أشياءَ من القرآن في أجنادِ المسلمين حتى قَدِمِ مصرَ، فبعث به عمرو بنُ العاص إلى عمرَ بنِ الخطاب، فلما أتاه الرسولُ بالكتاب فقرأه، فقال: أين الرجلُ؟ فقال: في الرحل، قال عمر: أبصِرْ أن يكون ذهب فتُصيبُك مني به العقوبةُ الموجعةُ، فأتاه به، فقال عمرُ: تسألُ - عن - مُحدَثةٍ؟ فأرسل عمرُ إلى رَطائبَ من جَرِيدٍ، فَضَرَبه بها حتى ترك ظَهره دَبَرةً، ثم تركه حتى برأ، ثم عادَ لهُ، ثم تركه حتى بَرَأ، فدعا به ليَعُود له، قال: فقال صَبيغٌ: إن كنت تُريدُ قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، وإن كنتَ تُريدُ أن تُداويَني، فقد - والله - بَرِئتُ، فَأَذِنَ له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: أن لا يُجالِسَه أحدٌ من المسلمين، فاشتَدَّ ذلك على الرجل، فكتَبَ أبو موسى إلى عُمَر: أن قد حَسُنَت توبتُه، فكتب عُمَر: أن يأذنَ للناس بمجالستِه.

106