رسول الله ﷺ، وهذا فصل مختلف فيه بين أهل العلم، وفيه أقاويل ثلاثة (^١): الأول أنه لا يجوز الاجتهاد في عصر الرسول ﵊ مطلقًا، لأنّه أمكن معرفة الحكم من جهته وذاك نص فيكون الاجتهاد واقعًا في محل النص: وهو مردود، والثاني أنه يجوز الاجتهاد لمن بعد عن حضرة الرسول ﷺ، ولا يجوز لمن كان بحضرته وقربه، والثالث جوازه مطلقًا، وعليه اعتمادنا، ودليله حديث معاذ فإنه جوز له الاجتهاد مطلقًا والدليل عليه ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال لأبي بكر وعمر ﵄ قولًا: "فإني فيما لم يوح إلي مثلكما" [فدل أن للصحابي أن يجتهد في زمن رسول الله ﷺ] (^٢)، وهذا الفصل ربما بُني على فصل آخر يختلف فيه، وهو أن الرسول ﵊ هل هو يحكم بالإجتهاد أم لا، قال بعضهم: لا، لأنه قادر على تعريفه من جهة الوحي؛ وقال بعضهم: ما لم يوح إليه فيه فهو متعبد فيه بشرائع من قبله على الحد الذي عرف في أصول الفقه، وقال بعضهم: كان يحكم بالاجتهاد مطلقًا لكن بعد انقطاع طمعه في زوال الوحي في تلك الحادثة على اعتبار العادة فإذا كان تأنّى وانتظر ثم أيس عن الوحي حكم بالاجتهاد وصار ذلك شريعة له، فإذا جاء نص بعده بخلافه كان نَسْخًا (^٣) لذلك الحكم لا بيانًا أنه لم يكن فلا ينقض ما أمضى به، لكن يستأنف الحكم في المستقبل على حسب ما يوجبه النص، وفي الحديث أنّ رسول الله ﷺ قال "الحمد للُه الذي وفق رسول رسوله (^٤) " عدّ الرسول ﷺ صلاح معاذ نعمة من الله تعالى في حقه حتى شكر الله تعالى عليه، وهو تنبيه (^٥) على أنّ السلطان ينبغي أن يعد صلاح عماله نعمة عليه، وكذا صلاح الزوجة وصلاح المملوك والولد كل ذلك نعمة من الله ﷿ فيجب مقابلتها بالشكر (^٦).
ثم ذكر حديث معاذ أيضًا وزاد فيه "بسنّة رسول الله وما قضى به الصالحون" قوله "الصالحون" قيل: مراده الأنبياء والرسل، وذلك شرع من قبلنا، وقيل: أبو بكر وعمر
(^١) وفي س "وهذا فصل اختلف فيه العلماء أن الصحابي هل له أن يجتهد في زمن رسول الله ﷺ، اختلفوا فيه على ثلاثة أوجه - إلخ".
(^٢) بين المربعين زيادة من س.
(^٣) زيد في س "ونسخ السنة بالكتاب جائز عندنا".
(^٤) زادت س "بما يرضى به رسوله".
(^٥) وفي س "وهذا دليل" (على) من س.
(^٦) وتعبير س في هذه المسألة أحسن مما في ص، م: "وكذا ينبغي للزوج أن يعد صلاح الزوجة من نعم الله تعالى فيشتغل بالشكر على ذلك الصلاح، وكذا المولى يعد صلاح المملوك، والوالد يعد صلاح الولد من نعم الله تعالى".