134

Fatḥ Dhīʾl-Jalāl waʾl-Ikrām bi-sharḥ Bulūgh al-Marām ṭ. al-Maktaba al-Islāmiyya

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

Editor

صبحي بن محمد رمضان، أم إسراء بنت عرفة بيومي

Publisher

المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م

قال: "وعن علي ﵁ ... " الحديث، "مسح": يعني النبي ﷺ "برأسه" أي: على رأسه، لكن الباء هنا أتت في مكان (على) للإشارة إلى أن المسح استوعب الرأس، فإن الباء تفيد الاستيعاب كما في قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]. والرأس معروف: هو منابت الشعر، وأما الرقبة والجبهة فليست منه، وقوله: "واحدة" أي: مسحة واحدة، ولا يعارضه حديث عبد الله بن زيد الذي يأتي بعده، فإنما خفف في تطهير الرأس لمشقة غسلها، فإنه لو غسل لكان ذلك مشقة على الإنسان، ولاسيما في أيام الشتاء إذا جعل الماء يتسرب على وجهه ورقبته وثيابه، فلهذا خفف فيه ولله الحمد، ثم جعل واحدة؛ لأنه يحصل بها كمال التعدد، فالتكرار لا يليق أن يقال: يطلب التكرار في موضوع خفف أصل التطهير فيه، فلا ينبغي أن يكرر، قال العلماء: إنه لا تكرار في كل ممسوح.
يستفاد من هذا الحديث: أن الواجب في مسح الرأس مرة واحدة لا يزيد عليها، ويستفاد من ذلك: تخفيف الشريعة الإسلامية وسهولتها ويسرها.
وعن عبد الله بن زيد في - صفة الوضوء- قال: " .... ومسح رأسه فأقبل بيديه وأدبر" معنى "فأقبل بيديه وأدبره": أنه مسح بيديه جميعا ولم يمسح بيد واحدة بل باليدين جميعا، أقبل وأدبر: أي بدأ بما هو يستقبل بدنه وهو الناصية وأدبر من الخلف، ولذلك فسره بقوله في اللفظ الآخر: "بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه"، وهذا لا ينافي حديث علي ﵁؛ لن هذه المسحة في الكيفية فقط؛ لأن الرأس كما تعلمون شعره من الناصية متجه إلى الإمام، وشعره من الخلف متجه إلى الخلف، فإذا مسحه من عند الناصية استقبل بطون الشعر، ويستقبل بالنسبة للخلف ظهور الشعر، ثم إذا عاد استقبل بطون الشعر من الخلف، وظهور الشعر من جهة الناصية هذا هو الحكمة في أن يأتي بالمقدم إلى ما ينتهي من المؤخر، ثم يعود.
وفي الحديث من الفوائد ما سبق الإشارة إليه وهو: أنه لابد من المسح، فلو غسله بدلا عن مسحه فهل يجزئ؟ قال بعض العلماء: إنه يجزئ؛ لأنه انتقال من الأخف إلى الأعلى، والصحيح أنه لا يجزئ؛ لأنه خلاف ما أمر الله به، وقد قال النبي ﷺ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، ولهذا كان هناك قول ثالث في المسألة وهو: أنه يجزئ الغسل إن أمر يده على رأسه؛ لأنه إذا أمر يده على رأسه صار ماسحا، لكنه جعل في ماء المسح، وهذا القول له حظ من النظر، لكن لو أراد الإنسان التعنت والتنطع فربما يقال: إنه لا يصح حتى ولو مسح يده بعد

1 / 178