المهم: أنه ينبغي لنا أن نستشعر عند فعل الأوامر أننا نمتثل لأمر الله ﷿ وقوله ﵊: "أبدأ بما بدأ الله به" فيه إشارة إلى أن ما بدأ الله به هو أهم مما يليه وهو كذلك، ومن ثم قال العلماء ﵏ في آية الصافات: ﴿إنما الصدقت للفقراء﴾ [التوبة: ٦٠]. إن الفقراء أشد حاجة من المساكين؛ لأن الله بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم. وقوله: "بما بدأ الله به"؛ لأن الله قال: ﴿إن الصفا والمروة﴾.
أما لفظ النسائي فقال: "ابدءوا بما بدأ الله به" بلفظ الأمر وهذا - أي: لفظ الأمر- صريح في أن النبي ﷺ وجه الأمر إلى أمته في هذه العبارة بخصوصها، أما على رواية مسلم: "أبدأ" فإننا في الحقيقة مأمورون بأن نبدأ بما بدأ الله به تأسيا. بمن؟ برسول الله ﷺ، لأنه وإن كان قاله بلفظ الخبر منفذا لأمر الله، لكنه بالنسبة لنا هو في الحقيقة أمر؛ لأن الله أمرنا أن نتأسى برسول الله ﷺ، لكنه يكون أمرا غير مباشر، بل عن طريق التأسي.
فإن قال قائل: هذا الحديث في الحج فلماذا جاء به المؤلف في كتاب الوضوء؟
قلنا: ليبين أن هذا الحديث عام في أننا مأمورون أن نبدأ بما بدأ الله به، يتفرع على هذا أن نبدأ بغسل الوجه ثم اليدين ثم الرأس، ثم الرجلين؛ لأن الله بدأ بذلك.
كذلك يستفاد من هذا الحديث: تقديم ما قدمه الله ﷿ حتى في الذكر سواء استدللت بقوله: "أبدأ" أو بقوله: "ابدءوا".
ومن فوائد هذا الحديث: اعتبار العموم دون خصوص السبب لقوله: "أبدأ بما بدا الله به" وهذا عام، وإن كان صورة المسألة التي قال فيها الرسول ﵊ خاصة؛ لكن العبرة بعموم اللفظ.
ومن فوائد الحديث: العناية بتدبر القرآن وتقديم ما قدم وتأخير ما أخر، وبذلك نعرف أن المهاجرين أفضل من الأنصار؛ لأن الله قال: ﴿والسبقون الأولون من المهجرين والأنصار﴾ [التوبة: ١٠٠]. فالمهاجرون أفضل من الأنصار؛ لأن الله قدمهم، ولأن المهاجرين ﵃ جمعوا بين الهجرة والنصرة، فهم نصروا النبي ﵊ لا شك وهجروا من ديارهم إلى رسول الله ﷺ.
يستفاد من هذا الحديث: وجوب الترتيب بين الأعضاء لقوله: "ابدءوا بما بدأ الله به"، فنغسل أولا الوجه ثم اليدين، ثم نمسح الرأس، ثم نغسل الرجلين، وهذا واضح.
واستنبط العلماء ﵏ دليل الترتيب من وجه آخر من نفس الآية، وهو أن الله ﷾ أدخل الممسوح وهو الرأس بين المغسولات، والقاعدة البلاغية تقتضي