103

Sharḥ kalimat al-ikhlāṣ li-Ibn Rajab

شرح كلمة الإخلاص لابن رجب

Publisher

دار ابن الجوزي

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م

يُحبُّون ربهم ويخافونه ويرجونه، فهم يَنعَمُون بمحبَّته، ويَنعَمون بخوفِه ورجائِه؛ لأنهم يخافون منه ويَفِرُّون إليه، وفي الحديث: «لا مَلجَأ ولا مَنجَى منك إلا إليك» (١).
ثم ذكر المؤلِّف ﵀ أنَّ محبة الله نارٌ تخافها نار جهنم، ثم أردف هذا القول المنْكَر بهذا الحوار المفتَرَى، وهو أنَّ نارَ جهنَّم تقول لربها ﷿: لو لم أُطِعكَ فبِأيِّ شيءٍ تعذِّبُني؟ قال: أُعَذِّبُكِ بنارِي الكُبرَى؛ نارِ مَحَبَّتِي.
وهذا كلامٌ منكرٌ، لا أظنُّه يَصِحُّ عن الجُنَيدِ ﵀، فالجنيد قد أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣)؛ فمستبعدٌ أن يَثْبُتَ عنه ذلك.
فنار الله الكبرى هي التي يعذِّب بها الكفار، كما قال تعالى: ﴿سيتذكر من يخشى - ويتجنبها الأشقى - الذي يصلى النار الكبرى - ثم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ [الأعلى:١٠ - ١٣].
فهذه الألفاظ إنما يطلقها العُشَّاق، فإنَّ الواحد منهم يتكلَّم فيقول: في قلبي نارٌ من حُبِّ فلانٍ أو فلانةٍ، نعم يجدون نارًا ويجدون أَلَمًَا ويتعذَّبُون ويشقون شقاءً، أما أهل الإيمان وأهل العلم بالله والحب لله فليسوا كذلك، بل هم في نعيمٌ من تلكم المحبة كما دلت عليها النصوص.

(١) جزءٌ من حديث البراء بن عازب ﵁ المتفق عليه في ما يقال عند النوم وأَخْذِ المضجع، أخرجه البخاري (رقم ٢٤٧)، ومسلم (رقم ٧٠٥٧).
(٢) قال في كتابه «الاستغاثة» (ص ٦٥٢): (وكان الجنيدُ ﵀ أفقهَ القومِ -يعني المتَصوِّفَة الأُلَى- وأعلمَهم بالدِّين)، وقال في «مجموع الفتاوى» (١١/ ٣٩٣): (.... بخلافِ الجُنيد فإنَّ الاستقامةَ والمتابعةَ غالبةٌ عليهِ)، وذكره في (٢/ ٤٧٤) من جملة (مشايخِ الإسلامِ وأئمَّةِ الهُدى الَّذين جعل الله تعالى لهم لسانَ صِدقٍ في الأُمَّةِ)، ووَصَفَه في (٥/ ١٢٦) بأنَّه (من شيوخِ أهلِ المعرِفَةِ المتَّبعينَ للكتَابِ والسُّنَّةِ).
(٣) قال في كتابه «مدارج السالكين» (٣/ ١٢٢): (رحمة الله على أبي القاسم الجنيد ﵁ ما أتبعه لسنة الرسول وما أقفاه لطريقة أصحابه).

1 / 108