206

Sharḥ kitāb al-tawḥīd li-Ibn Khuzayma

شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة

وقفات مع أحاديث إثبات الرؤية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: إخوتي الكرام! ما زلنا مع هذا الكتاب الكريم كتاب (التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿ لإمام الأئمة ابن خزيمة، فقد اشتد الكرب على رسول الله ﷺ وتكالبت عليه قريش ومن معها ومن يناصرها، واشتد تألم رسول الله ﷺ وتوجعه بعد ما مات عمه أبو طالب، وبعد ما ماتت خديجة، واشتدت عصا قريش على رسول الله ﷺ، وسمى العلماء هذا العام عام الحزن، فذهب الرسول الله ﷺ يستنصر لنفسه ويستنصر لدينه ويستنصر لدعوته، فذهب إلى الطائف يطلب النصرة من ابن عبد يا ليل، وذهب إليه ليعرض عليه دعوته، فكان الرد قاسيًا على رسول الله ﷺ، وكما قالت عائشة في الصحيح: إنها سألت رسول الله ﷺ ما هو أشد الأيام التي مرت عليك، فقال رسول الله ﷺ: (يوم أن عرضت نفسي على الطائف)، فلما ذهب وعرض نفسه عليهم ﷺ بأبي هو وأمي رفضوه واحتقروه، بل وأذلوه ﷺ بأبي هو وأمي، وبعثوا الأطفال خلفه بالحجارة، ولم يكتفوا بهذا بل بعثوا الرسل إلى قريش يخبرونهم بما فعل محمد ﷺ، وأنه كان يستنصر أهل الطائف عليهم حتى ينصروا دعوته، فازدادوا حقدًا وحسدًا وبغضًا لرسول الله ﷺ وبغضًا لدعوته، حتى إنه ما استطاع أن يدخل مكة إلا في جوار المطعم بن عدي، فرجع النبي ﷺ مهمومًا مغمومًا، وجاءه ملك الجبال كما وردت الآثار في ذلك يستأذنه أن يطبق عليهم الجبلين أو الأخشبين، فقال النبي ﷺ: (لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا) فأبى على الملك ذلك، حتى ذهب رسول الله ﷺ ودخل مكة في جوار المطعم بن عدي، ومن شهامة أهل الكفر ومروءتهم وهو ما نفتقده حتى في أهل الإسلام الآن، وذلك حين جاء إلى - المطعم - بعدما استجار به رسول الله ﷺ، ودخل مكة فأشهر المطعم سيفه وأخذ أولاده كل منهم يستل سيفه ويقول: إن محمدًا في جواري، وحذر قريشًا من الاقتراب منه؛ ولذلك حملها رسول الله ﷺ، فلما فتح الله عليه مكة وأسر من أسر منهم قال: (لوا كان المطعم حيًا فكلمني في هؤلاء النتنة لتركتهم من أجل).
وهذا شاهد آخر يبين لك شهامة ومروءة ورجولة أهل الكفر مع أنهم أهل كفر، ولكن علوا بهذه السمات وهذه الصفات، ولما تآمر أبو جهل -عليه من الله ما يستحق في قبره مع الفتية- على قتل محمد ﷺ طال عليهم الزمن وما خرج رسول الله قال الفتية: نرتقي البيت ثم ندخل على محمد فنقتله، فقال فرعون هذه الأمة: جئنا لنقتل محمدًا وما جئنا لنروع بنات محمد! فهذه من الشهامة والمروءة، والمقصود: وإن كانت هذه الشهامة والمروءة لم تنفعهم، لكن كانت عندهم صفات وسمات يتمناها أهل الإسلام الآن.
فلما رجع رسول الله ﷺ اشتد الكرب به واشتد عليه الحزن والهم، فأراد الله جل في علاه أن يروح عن نبيه ﷺ، فكانت الرحلة المباركة الميمونة رحلة الإسراء والمعراج.

24 / 2