207

Sharḥ kitāb al-tawḥīd li-Ibn Khuzayma

شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة

وقفات مع حديث الإسراء والمعراج الذي يرويه أنس
وحديث الإسراء والمعراج يرويه أنس بالمباشرة أو بالواسطة، فقد روى عن مالك بن صعصعة وغيره، وروى بنفسه لسماعه من رسول الله ﷺ، فمدار كل حديث الإسراء على أنس، فلندع أنس ﵁ وأرضاه يحدثنا عن هذه الرحلة المباركة الميمونة.
يقول: كان رسول الله ﷺ يحدثنا فقال: (كنت نائمًا في الحصير فأتاني آت -هو جبريل ﵇ فشق صدري)، أي: شق صدر الرسول ﷺ من تحت النحر إلى السرة، وهذه معجزة من المعجزات الخاصة بالنبي ﷺ، وقد رفضها أهل العقول الخربة من المعتزلة وأفراخها الذين يهرفون بما لا يعرفون، ويردون أحاديث النبي ﷺ بعقولهم الخربة، مع أنهم في هذه العصور التي نراها أسوأ ما تكون على أهل الإسلام عندما يرون الأطباء يفتحون القلوب والصدور والعمليات الجراحية المختلفة يصدقونها ويبهرون بحسن صناعة هذا الطبيب، فما بالكم بالله جل وعلا الذي إذا قال للشيء كن فيكون! والله الذي لا إله إلا هو من رد هذا الحديث فهو لم يعتقد في الله حق اعتقاده، ولم يعتقد في رسول الله ﷺ حق الاعتقاد، ولم يتبع رسول الله ﷺ حق اتباعه، فإنه لو اعتقد في الله حق الاعتقاد، وعلم أن الله على كل شيء قدير، وعلم أن الله خلق ملكًا له ستمائة جناح من قدرته وقوته، وأن الله جل وعلا أعطاه قوة حمل قرية بأسرها، وأن يجعل عاليها سافلها، لما رد هذا الحديث.
إن جبريل ﵇ هو الذي أجرى العملية الجراحية لرسول الله ﷺ، ذلك الملك الذي ضرب بجناحه فقط قرية لوط فجعلها كثيبًا مهيلًا، جبريل ﵇ الذي عندما رآه رسول الله ﷺ رعب منه وقال: زملوني زملوني، جبريل الذي قال في وصفه رسول الله ﷺ: (رأيت جبريل يجلس على كرسيه في السماء ورجلاه في الأرض)، جبريل ﵇ الذي له ستمائة جناح؛ ولذلك قيل لبعضهم الذين يؤولون صفات الله: صف لي ثلاثة أجنحة فقط وأنا أكفيك الباقي ما استطعت.
فجبريل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام هو الذي أجرى العملية لرسول الله ﷺ، فشق صدره، ثم أخرج قلبه وغسله بماء زمزم، ثم بعد ذلك غسل صدره وحشاهُ حكمة وإيمانًا وعلمًا.
فمن قال: إن الحكمة والإيمان والعلم معنويات، فنقول: كيف يحشى الصدر بهذه المعنويات؟ فالله على كل شيء قدير، أما سمعتم وعلمتم بأن الموت سيقوم متمثلًا أمام الناس، وينادى: يا أهل الجنة! خلود بلا موت، ويا أهل النار! خلود بلا موت، أو ما علمتم أن الله جل وعلا يجعل الأعمال هذه تتكلم، وهذا الفخذ يتكلم، واليد تتكلم وتشهد على العبد؟ فإن الله على كل شيء قدير، فقد ملأ صدر رسول الله ﷺ حكمة وإيمانًا.
ثم بعد ذلك أغلق جبريل صدره وأرجع ورد كل شيء إلى مكانه ثم أتي الرسول ﷺ بالبراق، وهي دابة لونها أبيض فوق الحمار ودون البغلة، قال أنس في وصفها: (يضع حافره في نهاية مد البصر، فركبه رسول الله ﷺ، وفي بعض الأحاديث الضعيفة: أنه لما جاء الرسول ﷺ يركب البغلة أو البراق استصعب عليه، فقال له جبريل: والله ما ركب عليك أكرم على الله من رسول الله ﷺ، وصدق وحق له أن يقول ذلك، بل إن نبينا ﷺ أفضل من جبريل كما سنبين من هذه القصة، فركبه ثم بعد ذلك ذهب به إلى بيت المقدس بأبي هو وأمي، فعلق الخطام على باب المسجد، ثم دخل وصلى ركعتين، وفي بعض الروايات: أن الله جمع له الأنبياء أجمعين، فأمهم رسول الله ﷺ فانقادوا له وسلموا له الريادة والسيادة والقيادة، وما كان لهم إلا أن ينقادوا لرسول الله ﷺ، ويعلموا أن هذا إيذان وإشارة من الله أنه إذا أم الرسل والأنبياء فإن دينه ناسخ لكل الأديان التي قبله، ولذلك قال رسول الله ﷺ: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار) فرسول الله ﷺ سيدهم وإمامهم وقدوتهم، فصلى بهم جميعًا، ثم بعد ذلك كانت الرحلة الميمونة المباركة، فركب البراق، فصعد إلى السماء حتى بلغ السماء الدنيا، فقرع جبريل الباب ﵊، فقيل: من؟ قال: جبريل، فقالوا: من معك؟ قال: محمد، قالوا: أو أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: مرحبًا بالنبي الصالح، ففتح له فدخل جبريل ودخل معه محمد ﷺ، فرأى آدم ﵇ ورآه آدم، فقال آدم: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد به إلى السماء الثانية، فوجد فيها عيسى ويحيى ﵉، فرحبا به وقالا: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، ثم صعد به إلى السماء الثالثة، فوجد فيها يوسف ﵊ وقد أوتي الشطر الثاني من الجمال، فقال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد إلى السماء الرابعة فوجد إدريس، فتلا قول الله ﵎ ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧]، ثم بعد ذلك صعد إلى السماء الخامسة فوجد فيها هارون، فرحب به وقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، ثم ارتقى إلى السماء السادسة فوجد فيها موسى ﵊، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، فلما صعد محمد ﷺ بكى موسى؛ لأن غلامًا سيدخل من أمته أكثر مما يدخل من أمتي الجنة -فنسأل الله ﵎ أن يجعلنا جميعا من أهل الجنة -ثم صعد إلى السابعة فوجد إبراهيم ﵊ وحوله أطفال المشركين وأطفال المسلمين، قال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، ثم بعد ذلك صعد محمد ﷺ، إلى سدرة المنتهى لكن جبريل لم يصعد مع رسول الله، وهذا دليل على أن النبي ﷺ أرقى منزلة عند الله من جبريل، وأكرم على الله من جبريل، وحق لنا أن نقول ذلك، فإن سيد الخلق أجمعين هو رسول الله ﷺ، وهو أكرم من جبريل عليه الصلاة وأزكى السلام، فصعد رسول الله ﷺ فكلمه الله من وراء حجاب؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، فكلمه من وراء حجاب وفرض عليه خمسين صلاة، فنزل يتردد بين الله جل وعلا وبين موسى، فقد كان موسى يقول: أمتك لا تستطيع ذلك، وهو يراجع ربه حتى جعلها الله خمس صلوات في اليوم والليلة، وهي بأجر خمسين صلاة بفضله ومنه وكرمه ورحمته على عباده.

24 / 3