10

إن هذه لهمة عظيمة، ومن كانت هذه همته فغير مأمون على طرف من الأطراف، وكان في ابن مدبر دهاء عظيم ورياء كبير، فخافه

23

وكره مقامه معه في البلد، فاجتمع مع شقير صاحب البريد على أن يكتب فيه إلى أمير المؤمنين بما يقدران به إزالته.

فلما كان بعد أيام كتب أحمد بن طولون إلى ابن مدبر: «قد كنت، أعزك الله، أهديت لنا هدية وقع الاستغناء عنها، فلم نجز تغنم

24

مالك، كثره الله، فرددناها توفيرا عليك، وأحب أن تجعل العوض منها الغلمان الذين رأيتهم بين يديك؛ فأنا إليهم أحوج منك.» فقال ابن مدبر: هذه أخرى أعظم مما تقدم قد ظهرت من هذا الرجل، كيف آمنه إذا كان يرد الأعراض والأموال ويستهدي الرجال ويستأثر عليهم؟ ولم يجد ابن مدبر بدا من أن يبعثهم إليه، فتحولت هيبته إليه، ونقصت هيبته هو بمفارقتهم مجلسه، وزال جمالهم له بين يديه في ركوبه، وكتب بخبره إلى الحضرة. ونمى الخبر إلى أحمد بن طولون، فأسره في نفسه ولم يبده، فأقام أحمد بن طولون أيام المعتز، فلما مات وجلس المهتدي بالله كان في نفسه على باكباك ما بعثه على قتله إياه، ورد جميع ما كان له وفي يده إلى يارجوخ التركي. وكان بين يارجوخ وبين أحمد بن طولون أجمل مما كان بينه وبين صاحبه باكباك، لما قدمنا ذكره من تزويجه ابنته من زوجته التي كان المتوكل أزوجه إياها، وكانت من جواريه، وكان لها محل وجلالة خطر، فكان يارجوخ من أكبر عدد أحمد بن طولون.

فلما حصلت مصر ليارجوخ في جملة ما حصل له من أمور باكباك، كتب إلى أحمد بن طولون يعرفه ما جرى ويقول: تسلم من نفسك لنفسك. وزاده جميع الأعمال الخارجة كانت عن مصر. وكتب إلى إسحاق بن دينار

25

وهو متقلد الإسكندرية بتسليمها إلى أحمد بن طولون، وعظمت منزلته وورد على ابن مدبر ما زاد في قلقه وغمه، ودعته الضرورة والخوف منه إلى ملاطفته والتقرب من قلبه.

كان موسى أخو أحمد بن طولون رجلا فيه خير، فلما حصلت الإسكندرية لأخيه، وهي بلد ثغر، أحب المقام بها، فسأل يعقوب أبا يوسف الكاتب، الذي كان ضمه الوزير إلى أحمد بن طولون عند رحيله إلى مصر أن يسأل أخاه في تقليده إياها، وكانت بينه وبينه مودة، فقال له: ابتدئ أنت بالقول وأنا أكفيك إذا خلوت به، فخاطب أخاه على مضض منه؛ لأنه كان لما قدما البلد أمر فيه ونهى كما

Unknown page