11

26

يفعل الأخ الشقيق [مع الشقيق] فثقل ذلك على أخيه، حتى إنه قصد قوما كان أخوه يعتني بهم بالأذية.

وأمسك موسى عما كان يعمله ويحمل مسألته، فيخرج من البلد ولا يكون معه فيه لما بينته، فلما سأله رد عليه ردا ضعيفا فأغضبه ذلك، فقال له: تالله لقد أيست منك ومن مرتبة أنالها بك في الدنيا، وإنما طلبت هذا البلد؛ لأنه ثغر من الثغور، اخترت المقام فيه والتعبد، فوعده بتقليده إياه.

وكان أحمد بن طولون يتوقع من يارجوخ إنفاذه إليه الكتب بولاية الثغور الشامية، وقد رشح أخاه موسى لتقليده إياه طرسوس؛ فإنها أجل مما طلب منه، وأسر ذلك إلى أن ترد الكتب به عليه، وأراد أحمد بن طولون بولاية أخيه طرسوس إحياء ذكره بالثغر؛ لأنه كان أغلب البلدان على قلبه محبة وآثرها عنده.

وعزم أحمد بن طولون على الخروج إلى الإسكندرية لمشاهدتها وتسلمها، فسأل موسى أبا يوسف الكاتب معاودة أخيه في أمرها له حسب ما وعده، فخاطبه في ذلك فوعده أيضا. وخرج أحمد بن طولون إليها مرابطا فرحا بما حصل له منها؛ لمحبته الثغور لا غير، وكان ذلك في سنة ست وخمسين ومائتين.

فحدث الواسطي أحمد بن محمد كاتبه عنه أنه قال لما وردت عليه الكتب برد الأعمال الخارجة إليه: الحمد لله كثيرا. وقال: تركنا لله، عز وجل، شيئا واحدا عوضنا منه أشياء أعظم منه وأجود وأحمد عاقبة، كانت نهاية ما وعدنا به على قتل المستعين بالله تقليد واسط، فخفنا الله، عز وجل، في قتله فلم نقتله، فعوضنا، جل اسمه، مصر وغيرها.

فلما قرب من الإسكندرية تلقاه إسحاق بن دينار، وقد كان وقف على ما جرى، وتوقع صرفه عنها، فخرج إليه حتى لقيه بأبعد المواضع، فلما رآه ترجل له، وأعطاه بحق الرياسة عليه، فأحشم

27

ذلك منه أحمد بن طولون وكان حييا رقيق الوجه، فاستحيا منه أن يصرفه عن البلد، فأقره عليه.

وجعل موسى يترقب من أخيه إنجاز وعده له، فلما طال ذلك سأل أبا يوسف أيضا المسألة، وقال له أبو يوسف: أيد الله الأمير، أخوك منتظر لوعدك، فقال له: ويحك قد كان ما وعدت به، وتالله إني لآمل له ما هو أجل منه، وقد ترى ما صنعه هذا الرجل معنا من الجميل، على محله أيضا في نفسه، ولا والله ما يحملني وجهي أصرفه عن عمله، فتلطف لي في أن تصرف رأي أخي عن هذا الأمر، وقل له: إن أخاك يرشحك إلى ما هو أجل من هذه المدينة، واحذر أن تطلعه على شيء مما ذكرته لك من أمر ابن دينار. فلما سأله موسى عن الجواب عرفه أن أخاه يرشحه لما هو أجل مما طلبه فلم يثنه ذلك وقال: ما أريد سوى هذه المدينة، وهي أحب إلي من كل ناحية جليلة. فلما رآه أبو يوسف لا ينتهي عنها كشف له الخبر، لما كان بينه وبينه من المودة، ولأنهما كانا يجتمعان على التعجب من مصادر أمور أحمد بن طولون ومواردها، وأن الحظ قد عمل له ما لم يقدره، حتى إنه قد حسن قبيحه، وأصلح رديئه.

Unknown page