110

فلما سمع أصحابه قول بكار، قالوا له: كيف رأيت؟ لو تحقق القاضي ما يثق به منه لما قال هذا. فكتب لنا جوابا للكتاب وشرط فيه شرائط مجحفة، وأغلظ في خطابه لأبيه بإنشاء ابن حدار الكاتب، وانصرفنا إلى أبيه وعرفناه ما جرى بيننا وبينه، ولم تزل بينهما مكاتبات ومراجعات.

ثم دعت العباس حماقته [إلى] الخروج إلى إفريقية،

6

ثقة بما معه من المال والعدة والعدة، ورأى أن ذلك يقيمه ويوصله إليها، وحسن ذلك وأطمعه فيه أصحابه، ليبعدوا عن أبيه، وصغروا عنده أمر إبراهيم بن أحمد بن الأغلب صاحب إفريقية، وكاتب وجوه البربر فتسرعت إليه منهم جماعة كبيرة العدة، وفرق فيهم صدرا

7

من المال الذي كان معه، وتخلف عنه أكابر القبائل، واعتلوا عليه بأن بينهم وبين قوم ترات، ولا يأمنونهم عند خروجهم عن أوطانهم على أموالهم وحرمهم، فرأى أن من حصل معه كاف له.

وكتب إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب يقول: إن المعتمد بالله أمير المؤمنين قد قلدني إفريقية، وإنه أمره بالخروج إليها. ويأمره بإقامة الدعوة له، ورحل بأكثر من معه وأكثر المال والذخائر، حتى انتهى إلى حصن يقال له: «لبدة» ففتحه أهله له، وخرج إليه عامل ابن الأغلب به، فتلقاه بأجمل تلق فقابلهم بضد ما استحقوه منه، وأطلق لأصحابه نهب الحصن، فنهبوا وقتلوا الرجال وسبوا النساء، وهتكوا من لم يصلوا إلى سبيه، فهرب أهل الحصن إلى إلياس بن منصور الزناتي [النفوسي] رئيس الإباضية،

8

واستغاثوا إليه، وشكوا ما نالهم منه، فدخلته حمية الإباضية، فغضب من ذلك غضبا شديدا، وكان العباس قد كاتبه يأمره بالسمع والطاعة له، وإلا رحل إليه، ووطئ بلده، وبلد النفوسي بمعزل عن الناس، ممتنع لنجدته وكثرة أهله وقوتهم، ولم يؤد النفوسي إلى الأغلب طاعة قط، فرد الجواب مع رسوله يقول: قل لهذا الغلام إنك أقرب الكافرين مني وأولاهم بمجاهدتي، وقد ظهر من قبيح فعلك ما لا يمكنني معه التخلف عنك وعن جهادك، وأنا على أثر رسالتي إليك.

وكانا ابن الأغلب قد أنفذ إلى محمد بن قرهب عامل طرابلس بخادم له يعرف ببلاغ في جمع من أهل القيروان كثير، فالتقى مع العباس وكان القتال بينهم مناوشة لا مناجزة، فقاتل العباس فيها قتالا شديدا بنفسه، وكان مع نقص عقله من الرجال الفتاك، وكان جيد الشعر [ومن شعره يفتخر]:

Unknown page