109

وأظهر العباس لما قوي في نفسه الخوف من أبيه أنه يريد الخروج إلى الإسكندرية، فقال له محمد بن أبا ونظراؤه من قواد أبيه: ما يصنع الأمير بالإسكندرية؟ فقال: بلغني أن الروم تطرقها وأحب أن ألقاهم لعل الله، جل اسمه، أن يظفرني بهم. فقالوا له: بعضنا يكفيك هذا، والصواب ألا تفارق [ما جعلك] الأمير، أيده الله، عليه، والمرتبة التي رتبك فيها؛ فأنت أيها الأمير العوض منه، ومقامه في دار مملكته، فلم يصغ إلى قولهم، واستخلف أخاه ربيعة على البلد وخرج، وكتب هؤلاء القواد إلى أبيه يبلون بينهم وبينه عذرا، ويعرفونه أنه قد غلبهم على رأيهم، ولم يتهيأ لهم منعه إلا على سبيل النصح، لقوة يده وما مكنه منه الأمير.

وأخذ العباس كل ما تهيأ له من المال والمتاع والسلاح والكراع، وأخذ معه الواسطي وأيمن الأسود مقيدين وخرج، فلما صار إلى الإسكندرية أقام بها أياما ثم تجاوزها إلى برقة.

ووافى أحمد بن طولون إلى مصر فوجده قد أخذ من المال ألفي ألف دينار، ولم يقنعه ذلك حتى استسلف من التجار ثلاثمائة ألف دينار، وأمر صاحب الخراج أن يضمنها لهم ويكتب لهم بها على المعاملين، ففعل ذلك خوفا منه. وأحضر أحمد بن طولون أبا أيوب وقال له: لم يقنعك [ما أخذ] من المال حتى استسلفت له من التجار ثلاثمائة ألف دينار! فقال له: خفته، ولم يكن لي به طاقة. فلم يقبل ذلك منه، وألزمه غرمها للتجار من ماله، فبلغ ذلك منه مبلغا كشفه وأضر به، فشكا ذلك إليه، فقال له: هذا جزاء من عاون عدوي وقوى يده بمالي. فلما انكشف له ما لحقه من ذلك علم أنه لو منعه لأجرى عليه المكروه، فأزال ذلك عنه، وقبل عذره.

قال: وسعى إليه في ذلك الوقت المعروف بأبي مقاتل بن أبي ثابت بأبيه لما رأى انحراف أبيه عنه، وبأخيه المعروف بأبي حفص، لتقديم أبيه أخاه عليه، فغلظ عليه سعايته بأبيه، فقبض عليه وعلى أخيه جميعا وضربهما بالسوط فماتا، فأخذ ما كان لهما، وعطفه ذلك على أبيهما.

قال: وراسل أحمد بن طولون العباس ابنه ولطف به، وأنفذ إليه أبا بكرة بكار بن قتيبة والصابوني القاضيين وأبا محمد معمر الجوهري وزيادا المعدني مولى أشهب، وكان فصيح اللسان، حسن العبارة، قوي الفهم، وأمرهم بملاينته وملاطفته، ووعده في كتابه الصفح عما جناه، وألا يسوءه بمكروه، وحلف له على ذلك بأيمان مغلظة. وخرجوا فلما وصلوا إليه رحب بهم وأكرمهم ورفع مجلسهم، فابتدأ زياد المعدني فقال: يا سيدي، سيدنا الأمير، أيده الله، يقرأ عليك السلام، ويقول لك: يا أقرب الناس إلي، وأبرهم لدي، وأعزهم علي، خفرت ظني بك [أقوى ما كان] أملي فيك، وأرجى ما كنت لك، عن غير إساءة كانت مني إليك، ولا خطيئة ركبتها فيك، ولم ترع حسن تربيتي لك، وعظم إشفاقي عليك، وأني رشحتك لمنزلتي، وقدرت بك حياة ذكري، وصيانة شملي؛ فأرضيت عدوي، وأسخطت وليي، أيا سبحان الله! أما تخاف العقوبة في العقوق وقانيها الله، جل اسمه، فيك، وثمرة المجازاة على الإساءة، صرفها الله بكرمه عنك؟ فإن رجعت إلي فكأنك لم تذنب، وإن تمادى بك الاغترار شخصت إليك بنفسي، ولم أكن بأول من خسر سعيه وأخلف تقديره. وبكى زياد وبكى معه من حضر، فتدمع العباس، وبلغ قوله من قلبه.

فذكر زياد أنه انصرف مع الجماعة إلى دور قد أعدت لهم، وفرق فيما بينهم، وما يخالجه شك في أنه يرجع معهم إلى أبيه، لما تبينه من انعطافه وبلوغ كلامه من قلبه، فخلت به تلك الطائفة التي أغوته حتى خرج، لخوفها من أبيه، فثنته عن انعطافه. وقال له ابن حدار الكاتب: الله الله فينا وفي نفسك، انظر لنا ولك؛ فأنت تعرف أباك وغدره، فارحمنا وارحم نفسك؛ فأنت تعرف طبع أبيك وشدة غدره، فإنه يرى أن في استئصال شأفتك، وتقطيع قلبه عليك فيما يأتيه من أمرك وأمرنا بعدك، بما السياسة وتوطيد المملكة توجيه، فخف الله فينا وفيك.

وكان كلام زياد له يشبه معنى ما كاتبه [به] أبوه، وكن فيما ذكره في كتابه بعد دعاء الصدر: وراجع بك إلى الحال التي يحصل لك عاجلها، ويتوفر عليك ثواب آجلها، ولا حرمك ثواب بري وطاعتي، وصرف عنك وزر عقوقي ومعصيتي. ثم قال له فيه: أحين فقأت النعمة فيك أعين الأعداء، وبلغت الغاية القصوى من سرور الأولياء، وبلغت السن التي يكون معها انتفاع الوالد بولده، واستحكمت ثقتي بك، وحسن ظني بالأيام فيك، واستكفيت على كفايتك وعنايتك عني، أتيت ما لا يحسن بك، ولا يجمل بمثلك، أستكفي الله، جل اسمه، مئونة من حملك على ذلك، وغلبك على رأيك، فقد سعى في دينك بما ثلمه، وعيشك بما كدره، ودنياك بما نقصها، وآخرتك بما أفسدها، ومروءتك بما أزرى بها، ونعم الله، عز وجل، عليك بما يدعو إلى تبديلها وما، أنا بآيس من أن يثيبه على عظيم ما ركبه منك، وجليل ما جناه عليك في تضييعك حقي، وما ألبسك من ثوب معصيتي، وعرضك إليه من سخط الله، جل ثناؤه، وغضبه في إسخاطي ومخالفتي، فإنك إذا ميزته وتبينته لم تجده إلا أحد رجلين؛ إما رجل أطعنا الله، عز وجل، فيه، فلزمنا أخذ جناية جناها منه، أو رجل طمع في مالك فاغتنم شغل قلبك فقال: أفوز بحظ من دنياه في هذا الرهج الساطع، فإن أحسست في أمره نقصا لجأت به إلى حيث لا يعرف خبري ولا يدري أين أمري، فميز من شئت من خلصائك ونصحائك، فقد ترى أمرك، فإنك لا تجده يخرج من هذين القسمين، والله المستعان.

قال زياد: فلما غدونا إليه وسلمنا عليه وجدناه قد حال عما كنا شاهدناه منه، فقال لي: يا زياد، والله إن أبي ما نوى لي خيرا. فقلت له: يا سيدي، كيف يليق

5

هذا بصدرك وأنت تعلم أنه ما طلعت الشمس على أحب إلى أبيك منك؟! فالتفت إلى بكار القاضي فقال له: يا أبا بكرة المستشار مؤتمن، وأنا أقلدك أمري، أسألك بالله هل تأمنه علي؟ فقال له بكار، لما كان عليه من الدين والورع والزهد: قد حلف أبوك لك ألا يسوءك، فإما يفي لك بما حلف أو لا يفي، وما يعلم الغيب إلا الله جل اسمه.

Unknown page