113

11

لأخذ، فدعته الضرورة بقتل من قتل من أصحابه إلى أن انهزم، ولحق فكاد أن يؤسر، حتى أقيل بجزالته ولطف الله، عز وجل، به وبعونه، وأخذ سواده وذخائره وجميع ما كان معه من المتاع والأموال والسلاح، وما حصله معه له من مصر وعاد إلى برقة أقبح عودة، وكان معه أيمن الأسود مقيدا فتخلص من القتل؛ لأنهم علموا بقيده أنه حرب له، وكان قد أطلق الواسطي بضمان جماعة من التجار ببرقة إحضاره إياه متى طلبه، فكان عندهم مكرما.

وشاع الخبر بمصر أن العباس قتل، فتبين الناس في وجه أحمد بن طولون كآبة شديدة وغما ظاهرا؛ لأنه وقع بذلك بين شرين؛ منها فقد ابنه إن صح، وذهاب جميع ما كان معه، ومنها الترة التي تقع بينه وبين النفوسي وابن الأغلب، إن أمسك عنها انحلت منزلته، وإن نهض إليها فبإنفاق الأموال الجليلة العظيمة التي لم تكن في حسابه، فلم يزل مغموما مهموما حتى صحت عنده سلامته، فحمد الله، جل اسمه، وتصدق بمال كثير.

وكان مما أغاظ أحمد بن طولون من مكاتبات ابنه العباس إليه، حتى استخفه إلى الخروج إلى الإسكندرية بنفسه، قوله في كتابه من إنشاء جعفر بن حدار: إلى الأمير أبي العباس أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين من عبد الله مولى الله، المتمسك بمناجي طاعة الله، المنحرف عن زيغ ظلم المعصية إلى وضوح سر البصيرة، القابل من الله موعظته، والعامل بما أمر به؛ إذ يقول جل ثناؤه:

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين

وقوله عز وجل:

ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه

سلام على الأمير، وعلى من استرجع وادكر، وفكر وازدجر، فأنا أحمد إلى الأمير الله لا إله إلا هو، العاطف بي إلى أرفع سنن الهداية، والعادل بي عن ظلم سنن الجهالة، وأسأله صلاة تامة يخص بها وليه وخيرته من صفوته ورسوله

صلى الله عليه وسلم .

أما بعد، وفق الله الأمير لمحال رشده، وجنبه مقابح أمره ، وسخر له الخلق عن غامض ذكره، فإن كتاب الأمير ورد على الحائد منه عن سبيل العظة والتذكير، إلى سبيل التهديد والتحذير، فبعد وقرب، وآنس وهدد، وجمع وفرع، يبذل من نفسه باليسير فيها، ويدعو إلى الصلة ويحدث غيرها، ويعرض من ماله الأنفس، ويصير من خطابه الأنزر، ويعدد من واجب حقه، ولازم مفترضه، ما أعترف به مصدقا لمن اعترف بالطاعة محققا، وأذعن به لمن أذعن وحاد عن الشك، ووقفت منه على ما أطنب حاطا وحوف عاما ومهمه [؟] فإن استخذأت لاتباع موافقتك وتطامنت ترغبا عبر محاورتك [؟] فلقد اضطرتني الطاعة، وأنجذتني الحاجة، إلى إقامة عذر يتضح لك في استجلاب مرضاتك ما تجاوزت عما يدهمني، فهبت في جواب الأمير مقام الأمير.

Unknown page