Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
وضمنت الكتب ما لا زيادة عليه من استعطافه، وما يبعثه على إجابتهم إلى ما حبوه وأنفذت إليه بذلك، فلما وصلت إلى أحمد بن طولون الكتب علم أنهم لم يكتبوا إلا بما اختاره الموفق وأمرهم به؛ فسره ذلك وأجاب جماعتهم يقول: إن الموفق أحد مواليه، وإنه إنما انحرف عنه لحصره الخليفة وأسره إياه، وأنه لو خلاه مع اختياره، وأزال عنه الموانع التي ألزمه إياها، ولم يحل بينه وبين أمره ونهيه، وامتثل أمره على رسمه كان، ولم ينحرف عن طاعته، ولا عدل عن محبته وإرادته، لكان كبعض خدمه، وإن جميع ما في يده من مال عمله محفوظ للخليفة، وإن أقام على ما هو عليه من حصره إياه في يده وتوكيله به، حاربت عنه ولو لم يبق معي أحد، فإني أرجو أن أرزق الشهادة على حسن الطاعة.
وكانت الكتب قد وردت عليه سرا فأنفذ الجواب عنها سرا، فلما وصلت إلى الموفق ووقف عليها سره ما تضمنته، واستحسن هذا الفعل من أحمد بن طولون، وأن ذلك منه إنما هو عن إرادة قوية في طاعتهم، ونية صحيحة في موالاتهم، وكان الموفق كامل العقل، متمكنا من نفسه، حسن المعرفة، ذكي الروح، فسكن ذلك منه ما كان في نفسه على أحمد بن طولون، وأمال قلبه إليه في كليته، وأيس من أن أحمد بن طولون يتخلى عن القيام بأمر المعتمد، ففعل للمعتمد كل ما اختاره، ونقله إلى قصره، وبلغ له كل ما يحبه، وأزال الموكلين عنه والتشديد عليه، فأضرب عن كل ما قد عزم عليه في أمره، كل ذلك [رعاية] لأحمد بن طولون، ولكبره في نفسه وحاله وقوة يده، وفضله في قلبه، وامتثل كل ما رسمه في كتبه وزيادة عليه رضا له، وراسل الموفق المعتمد يقول له ما اختار لعنه وإنه لنادم عليه، وعلى كل ما جرى في أمره، وشكر له حسن محافظته عليه، وحسن طاعته له، وسأله مكاتبته بما يزول به ما بينهما، فسر المعتمد هذا من أخيه الموفق.
وكتب إلى أحمد بن طولون كتابا بخطه يسأله الرجوع عما هو عليه لأبي أحمد الموفق، ويعرفه ما جرى في أمره، وما فعله ورجع عنه، ويشكره على ما كان منه حتى عاد له الأمر كما أحب، ويسأله أن يرد الدعوة له على المنابر، وإعادة اسمه إلى الطرز، ويعود إلى ما كان عليه من استقامة الحال، وأنفذ الكتاب إليه مع الحسن بن عطاف، وأنفذ معه كتاب الموفق بخطه بإسقاط اللعن عن أحمد بن طولون، فلما بلغ الحسن بن عطاف الرقة بلغته وفاة أحمد بن طولون فرجع إلى الحضرة.
وكان قد اتصل بلؤلؤ غلامه أن مولاه قد باع نساءه وأولاده في سوق الرقيق بمصر، وقبض على جميع ما كان له في داره، فبلغ ذلك منه كل مبلغ، وأقبل إلى الموفق فبكى بين يديه وقبل الأرض وعرفه ما بلغه عن حرمه وأولاده، وسأله إنفاذ الجيوش معه على ما كان عزم عليه، وضمن له أنه المجهود في طاعته، حتى يأخذ له البلد، وبسط لسانه في مولاه، ولم يدع شيئا يغري به الموفق ويوحش به قلبه على مولاه حتى نقله، فوعده الموفق بإنفاذ الجيوش معه وخلع عليه، وحمل على دابة من دوابه، وتقدم إلى الكتاب بتجريد الجيوش معه، كل ذلك سخرية به ومدافعة، إلى أن يرد الجواب مع الحسن بن عطاف، فيقبض حينئذ على لؤلؤ رضا لأحمد بن طولون لما شاهده من انحرافه عن مولاه، وقبح فعله بمن رباه وأحسن إليه، وكان هذا الفعل من الموفق لما فيه من العقل والرياسة والمروءة، وعمل على أن يوكل به ويرده إلى أحمد بن طولون عند ورود جوابه عليه.
قال مؤلف هذا الكتاب: و[ما] كان فعل لؤلؤ في أمر مولاه كفعل الخارجي في الحجاج بن يوسف، على أن رأي الخوارج في الحجاج وغيره من الولاة معروف، حدث مروان بن الحكم الأردني قال: أتي الحجاج بن يوسف بخارجي خرج عليه فقال: اضربوا عنق ابن الفاعلة.
65
فقال له الخارجي: بئسما أدبك أهلك يا حجاج، أبعد الموت منزلة أصانعك لها؟ ما كان يؤمنك أن ألقاك بمثل ما لقيتني به؟ فقال له الحجاج: صدقت ، لله درك! وأطلقه، فرجع الخارجي إلى [أهله]، فلما كان بعد وقت من الزمان عزم الخوارج على قتال الحجاج، فقالوا لذلك الخارجي: ارجع معنا إلى قتال الحجاج ابن الفاعلة، فوالله ما أطلقك هو بل الله، عز وجل، الذي أطلقك. فقال لهم: هيهات! غل يدا مطلقها، واسترق نفسا معتقها
66
وأنشأ يقول:
67
Unknown page