Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
ولما قرب طبارجي من ابن أبي الساج خشي أن يكون ذلك حيلة عليه، وكان أحمد بن طولون قد تقدم إليهما بالقبض عليه فولى هاربا، فرجع طبارجي وابن الفتح إليه فعرفاه بما فعل، فعجب من ذلك.
وخاف سعيد بن توفيل عليه من تزايد العلة، فأشار عليه بالرحيل إلى مصر، فاستخلف على دمشق ابن دغباش، وقلد عبد الله بن الفتح الرقة، وجعل أنعج على السيارة بينهما، ورحل على عجلة عملت له موطأة، يجرها الرجال قليلا قليلا؛ لأنه لم يتهيأ له ركوب بغل ولا قبة؛ لئلا تتحرك على ذلك [علته]، فسار بهذه الحال حتى بلغ الفرما،
13
فشكا إزعاج العجلة أيضا له، فركب الماء في المركب يخب قليلا قليلا حتى وافى إلى الفسطاط، وركب من ساحل الفسطاط قبة إلى الميدان.
فلم يستقر في داره حينا حتى أحضر بكار بن قتيبة القاضي فسأله عن امتناعه من التصريح كما صنع غيره في أمر الموفق، وقال له: لم توقفت عن خلعه وقد حصر الخليفة وأسره وقهره واستبد بالأمر دونه؟ أفمثل هذا لا يخلع؟ ويؤمر على المسلمين لمخالفته رب العالمين. فقال له بكار: أنت أوردت علي كتابا من الخليفة المعتمد بتوليته العهد، فلو أوردت علي كتابا من الخليفة المعتمد أنه قد [خلعه] خلعته، وأما بخلعك أنت له أخلعه أنا لا يجوز لي غير ما عملته؛ إذ لم يجز لي أن أقبل الأمر بنصه. فقال له: صدقت، أتيتك لعمري بكتاب منه بتقليده العهد وهو مطاع القول، وهو اليوم محصور مأسور مضيق عليه، قد نكث عهده من قلده إياه، ولم يجازه على جميل فعله به، واستبد بالأمر دونه وحصره وقهره، فوجب بذلك على المسلمين خلعه. فقال له بكار: ما أقول في هذا شيئا إلا بحجة أثبتها. فقال له أحمد بن طولون: أنت شيخ قد خرفت، ونقص عقلك، وأعجبك قول الناس: «بكار بكار» فدعاك ذلك إلى أن خرجت عن جملة من شهد بأنه مستحق للخلع، وخارج عن طاعة أمير المؤمنين ممن فيه الخير والدين، ثم أقامه للناس في الميدان، وأمر بتحريق سواده، فحرق وحبسه في داره، فكان بكار في كل جمعة يلبس ثيابه وطويلته
14
ويخرج إلى باب الدار التي هو معتقل فيها، يريد الجامع الجامع لصلاة الجمعة، فيقول له الموكلون: ما إلى الخروج، أيها القاضي، سبيل إلا أن نؤمر. فيقول لهم: الله شهيد على أني أرجع إليكم. فيقولون له: ما إلى ذلك سبيل. فيقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد. ويرجع. فرفع ذلك إلى أحمد بن طولون فأرسل إليه يقول: زعمت أن المحجور عليه يأمر وينهى ويكتب ويكاتب، فكيف حال الممنوع؟ فما تريد أنت أيضا؟ أردت علي كتابا من الخليفة بتقليدك القضاء فأنفذت ذلك لك، والآن قد منعتك فتورد علي كتابه بردك حتى أردك. فأقام في الحبس مذ قدمته الأولى من الشام إلى عودته الثانية منها.
وتفرغ [أحمد بن طولون] لأشياء كانت في نفسه، فمنها هرثمة صاحب دار هرثمة، أوقع به واصطفاه جميع ما ملكه وحبسه؛ لأنه كان رفع إليه أنه قال: توهمنا أنا نخدم إمارة، ولم ندر أنها خلافة، إلا إنها خلافة وسخة مخوفة العاقبة.
وأنه اجتاز ببكار بن قتيبة وقد أقيم للناس فقال له: عز علي، كفانا الله وإياك، فما هذا مقامك. فحبسه في المطبق حتى مات فيه.
وأوقع بزياد المعدني؛ لأنه بلغه عنه أنه سمع حسن بن مهاجر كاتبه
Unknown page