Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
9
يتبرك مثلي بالصلاة فيها، ويسافر إليها من البلدان البعيدة،
10
فلما قربت منها استغنمت ذلك، فلما جئت لم يخبرني سيدي الأمير بما جرى بعدي. فقال له: أفما كان يجب أن تسألني عن حالي؟ فقال له: خفت سوء ظن سيدي الأمير، ولم يجز أن أسأل أحدا من الحاشية عما لا يعلمون صحته، وشربي النبيذ فإنما آخذ منه الشيء اليسير؛ لأنا نأخذه في قرباننا دينا، لا أشربه كما يشربه الناس، وأنا مشغول بخدمة الأمير. فقال له الأمير: فما الحيلة الآن؟ قال: تمتنع من الغذاء الليلة، فلا تذوق شيئا قل ولا جل بوجه ولا سبب، ولو قرمت
11
إليه بكل نوع من الشهوة له، وتتحمل ذلك على كل حال. فقال له: ويحك فأنا والله الساعة جائع شديد الجوع وما أصبر. فقال له: الله الله أيها الأمير؛ فإن هذا جوع كاذب لبرد معدتك تجده. فلما كان في نصف الليل اشتد به الجوع فلم يصبر، وعاد ذلك الحزم فيه نقصا، فدعا بشيء فأكله، وأتي بطبق فيه فراريج [حارة] مشوية وخروف وجدي بارد، فأكل من كل ما رآه، فلما حصل في معدته انقطع عنه الإسهال.
قال نسيم الخادم: فلما وقفت على ذلك خرجت إلى سعيد بن توفيل وهو قائم في الدار، فقلت له: قد أكل مولاي الساعة من خروف وجدي وفراريج وبزماورد
12
ودجاج، فخف عنه القيام وامتسك. فقال: الله المستعان، ولله أمر هو بالغه. ثم قال لي: ضعفت قوة المدافعة بقهر الغذاء لها قليلا، وستتحرك حركة شديدة. قال: فوالله ما جاء السحر حتى قام أكثر من عشرة مجالس. ورحل عن أنطاكية وعلته تتزايد إلا أن في قوته احتمالا لها. ووافى إلى دمشق فأقام بها لتسكن علته.
وكان ابن أبي الساج قد كاتبه، وعزم على أن يوجه إليه ابنه يكون عنده رهينة بالوفاء، وإظهار الدعاء له في أعماله بالجزيرة، فظن أحمد بن طولون أن رأيه فيما أظهره صحيح، فأنفذ إليه عبد الله بن الفتح وطبارجي ومعهما الخلع والجوائز والخيل، على أنه إن وفى بما ذكره ودخل في طاعته سلما إليه المال والخلع وما حمل إليه، وثبتا اسم أحمد بن طولون على الجزيرة وأعمالها.
Unknown page