152

24

فألبسه دراعة

25

وخفا وعمامة، وقلع ثيابه الوسخة التي كان يخدم فيها، وكان مقبحا جدا، فأدخله إليه، فلما رآه قال له: نعم، هذا يصلح لهن، وقد جودت فيه، فألزمه خدمتهن. وكان لهاشم هذا إقبال قد أزف ونجوم قد طلعت، لم يعلم بها سعيد بن توفيل، ولا أن هلاكه يجري على يديه، فأدخل إلى الحرم فسألوه عن أشياء تنفق عندهن؛ من دواء الشحم وعلاج سواد الشعر وعلاج الحيض وأشباه ذلك. وكان هاشم خبا ملعونا، فاجرا رديء الطبع، فجرى معهن في ميدانهن كما أردن، فقال لهذه: أنا أعمل لك كذا وكذا. وقال لأخرى لما تطلبه منه: أنا أعمل لك في هذا ما لا يعرفه أحد ولا يحسنه. وعمل لكل واحدة منهن ما أرادت، فحظي بذلك عندهن حتى ضرب بعضهن ببعض المثل، وكسب منهن كسبا كثيرا ما كسب صاحبه مثله مع أحمد بن طولون. ولم يكن يحسن غير دق العقاقير وعجن الأدوية بين يدي سعيد، ونفخ النار تحت الأدوية المطبوخة، ولم يكن يمكنه من عمل شيء من الطب؛ لأنه لم يكن وزنه ذلك ولا محله عنده، وإنما كان يمسك حماره إذا دخل دار الأمير أو بغله وينام في الإصطبل.

وكان جماعة الأطباء قالوا لسعيد لما اصطنع هاشما وأدخله إلى الأمير والحرم: يا سعيد نفست

26

على غيرك أن تدخله دار الأمير ، وفيهم من لا يشك فيه أنه يصلح لذلك، حذقا بالصناعة وفهما لها، ثم مع هذا كنت تكون آمنا منه عليك وعلى حالك، والله ليكونن لك من هاشم الذي اخترته يوم يرده إليه طبعه الرديء وأصله الدنيء.

حدث جريج بن الطباخ المتطبب قال: لقي سعيد بن توفيل [عمر] بن صخر الطبيب، فقال له [عمر]: ما الذي نصبت هاشما له؟ فقال: لخدمة الحرم؛ لأن الأمير طلب مني طبيبا مقبحا. فقال له: قد كان في أبناء الأطباء قبيح قد حسنت تربيته وطاب مغرسه يصلح لهذه الحال، ولكنك استرخصت الصنيعة، والله يا أبا عثمان، لئن قويت يد هاشم ليرجعن فيك إلى دناءة منصبه وخساسة محتده. فتضاحك سعيد من قوله وقدر أن ذلك لا يكون.

فلما جمع أحمد بن طولون الأطباء واتفقوا على ما يعالجونه به، دخلت إليه أم أبي العشائر ابنه فقالت له: قد أدخل مولاي إليه اليوم جميع الأطباء ووقفوا على علاجه، وعمل كل واحد منهم بما عنده من الصواب بما سقوك إياه، وأرجو أن يكون فيه الشفاء بمشيئة الله. ولم يحضر مولاي هاشما طبيبا فيمن حضر، والله يا مولاي ما فيهم مثله؛ لأنا قد شاهدنا منه في خدمته لنا ما حمدناه وتبركنا بصفاته، فقال لها - طلبا للفرج لما هو عليه من العلة التي يطمع العليل فيها بكل شيء، وتتعلق نفسه بما توعد به فيها من العافية: أحضرينيه سرا حتى أخاطبه وأسمع ما عنده في مشاهدته حالي. فأدخلته إليه سرا، بعد أن شجعته على كلامه، وسهلت عليه هيبته؛ لأنه جبن من دخوله إليه مما لم يقدر أنه يراه أبدا، فلما دخل إليه ومثل بين يديه وأخذ مجسه وتأمله قليلا، لطم وجهه وقال: أغفل أمر الأمير، أيده الله، حتى بلغ إلى هذه الحال؟ لا أحسن الله جزاء من تولى أمره. فكان لطم هاشم وجهه بين يدي الأمير وما تكلم به في أستاذه تصديقا لقوة من أنكر على [سعيد] تقديمه وإدخاله إياه إلى الحرم وتركه بحيث لا يستحق، وكان ما خاطبوه فيه حقا، فقال له أحمد بن طولون: يا مبارك، فما الصواب الآن؟ قال: يتناول الأمير، أيده الله، قميحة صفتها كذا وكذا، وعدد فيها قريبا من مائة عقار، ولم يعلم أن سبيل هذه القمائح تمسك [عندما] تتناول ثم تعقب ضررا كبيرا؛ لأنها تتعب القوى الماسكة، وكان استعماله ما اتفق عليه الأطباء مع سعيد وسقوه إياه لو دام عليه أحمد عاقبة وأنفع، فامتنع من شرب ذلك يومه، وتناول القميحة التي أشار بها هاشم، وعملها له بين يديه، فلما تناولها أمسكت وحبست قيامه وقوي قلبه لذلك، وحسن موقع هاشم من قلبه، وظن أن البرء قد تم له، فقال له: ويحك يا هاشم! إن سعيد بن توفيل قد حماني منذ شهر من لقمة عصيدة

27

Unknown page