Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
اشتهيتها ومنعني منها، لعنه الله، وأنا والله أشتهيها. فقال له: أيها الأمير، قد أخطأ سعيد، العصيدة مقوية ولها أثر حميد. فأمر أحمد بن طولون بإصلاحها فأصلحت، وجيء منها إليه بجام
28
واسع فأكل منه أكثره، وطابت نفسه ببلوغ شهوته ونام، وكان يشتهي النوم فيتعذر عليه، فأثقلت معدته ووجد خفا في انقطاع الإسهال، وطاب له النوم بعد الأكل، وظن أن ذلك صلاحه وعافيته، وطوى ذلك عن طبيبه سعيد ولم يوقفه على شيء منه.
فتبارك الله الخالق البارئ المتفرد بالكمال والبقاء، بينما كان له العقل الصحيح والرأي السديد والفراسة المضيئة والحدس الصادق الذي ما كان يخطئ في أيام إقباله، وما كان يلزمه نفسه ويتفقده منها ومن غيرها، وشدة حذره وتوقيه ... حتى انقلبت العين في هذا كله دفعة واحدة، وصار هو عدو نفسه يطعمها سرا من طبيبه السمك القريص، مع ما يعلمه الناس كلهم فيه، والعصيدة الثقيلة المتخمة المؤذية في حال الصحة فكيف مع العلة؟ ثم يخادع نفسه ويسخر منها ويكتم طبيبه وغيره حاله في ذلك، حتى [كأن] له في معدته بسوء فعله عدوا قاتلا، ويفضل مثل هاشم على مثل طبيبه سعيد بن توفيل وغيره من حذاق الأطباء إلا أنه إذا أراد الله، عز وجل، أمرا سلب كل ذي لب لبه حتى تتم مشيئته.
فلم أكل العصيدة ونام انتبه من نومه، فأحضر سعيد بن توفيل، فقال له: يا سعيد، ما تقول في العصيدة؟ قال: ثقيلة على الأعضاء، وأعضاء الأمير تحتاج إلى التخفيف لا التثقيل. فقال له: دعنا من مخاريقك، قد أكلتها بحمد الله ولم أر إلا خيرا. فأمسك سعيد حيرة في أمره، وجاءوه في الوقت بسفرجل من الشام وفاكهة، فقال لسعيد: ما تقول في السفرجل؟ فقال: مص منه شيئا يسيرا على خلو من المعدة فإنه صالح. فلما خرج سعيد من عنده أكل سفرجلتين كبيرتين فعصر السفرجل العصيدة فتدافع الإسهال جدا، فدعا بسعيد بن توفيل فقال له: يا ابن الفاعلة، ألم تزعم أن السفرجل صالح؟ ما صلاحه وقد عاودني الإسهال؟ فقام سعيد ينظر إلى النجو
29
فرجع إليه فقال: هذه العصيدة التي أحمد الأمير أمرها وذكر أني ممخرق، وأني غلطت في منعه منها، لم تزل قائمة متحيرة في الأحشاء لا تطيق عبورا، ولا تطيق المعدة هضمها لضعف قوتها حتى عصرها السفرجل، ولم أطلق [لك أن تأكل] السفرجل، إنما قلت: تمص منه يسيرا. وكان سعيد قد أخبره الغلمان أنه أكل سفرجلتين، فقال له في خطابه: أكل الأمير السفرجل للشبع، لم يأكله للعلاج. فقال له: يا ابن الفاعلة، أخذت تهاترني وأنت صحيح سوي وأنا عليل مدنف.
30
السوط! فأحضر، فضرب بين يديه مائتي سوط، وحمل على جمل وطيف به البلد، ونودي عليه: هذا جزاء من ائتمن فخان. ونهبت داره فمات بعد يومين.
قال مؤلف هذا الكتاب: وكان أحمد بن طولون يحذر سعيدا قديما من قتله له، وكان قد وقع له لتتم المشيئة في سعيد أيضا أنه قد أغفل علاجه في بدء العلة حتى تزايدت عليه وعظم أمرها، ولم يكن الأمر كما ظنه أحمد بن طولون به، ولا كان الخطأ إلا منه على نفسه، والذنب له دون غيره. وكان سعيد بن توفيل من يوم أكل السمك قد أيس منه، وعرف نسيما الخادم بذلك، وكان غلاما عاقلا محصلا.
Unknown page