Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
ومستغله ستون ألف دينار، وعلى العين التي بالمعافر مائة ألف وأربعون ألف دينار، وأنفق على حصن الجزيرة مائتي ألف دينار، وأنفق في بناء الميدان مائة وخمسين ألف دينار، وأنفق على مرمات الثغور وعلى حصن يافا مائتي ألف دينار، وكانت قائمة صدقاته في كل شهر ألف دينار، وكان ما يجريه على جماعة من أهل المسجد أبناء الستر والمتجملين وأولاد النعم، سوى ما [يجري من مال] السلطان عليهم من الرزق الراتب في كل شهر خمسمائة دينار، وما كان يحمله للصدقات في الثغور في كل شهر خمسمائة دينار، وكان راتب مطبخه وعلوفة دوابه في كل يوم ألف دينار، وما كان بقيمه من الأنزال والوظائف في كل يوم خمسمائة دينار، وكانت له وظائف خبز ولحم على قوم مستورين نساء ورجال في كل شهر ألفا دينار.
وكانت لذته وشهوته كلها فيما يصنع في كل جمعة من الأطعمة الواسعة العظيمة لكل صنف من الحلواء، وتنصب الموائد ويحضر الناس من كل نوع من فقير ومستور ومتجمل ومحتاج، ومن يتقرب إليه بأن يراه وقد أكل طعامه، فيقربه ذلك من قلبه، وهو جالس مستشرف له ينظر إليهم، ويفرح بما يراه منهم، فساعة يسجد شكرا لله وساعة يقف فيصلي ركعتين، وساعة يدعو الله، وساعة يبكي ويطالب الناس بأن يزلوا، ولا يخرج أحد إلا ومعه الزلة الكبيرة العظيمة، فإذا انصرفوا حمد الله وشكره.
ووجه بابن قراطغان وهو كان صاحب صدقاته إلى المعافر ومعه حمالو الخبز والقدور اللحم المطبوخة والفالوذج والخبيص، وخبزه المعروف في كل رغيف رطلان يسمى أبو الوفا والدراهم
47
حتى يفرق ذلك بالمعافر على المستورات، ومن لم يكن في طاقته الحضور لطعامه.
قال: حدثنا محمد بن الحسن اليماني، وكان من الصالحين شديد التقشف، وقد جرى ذكر أحمد بن طولون بعد وفاته وقال: رأيت أحمد بن طولون في منامي وكأنه في روضة خضراء وعليه لبسة حسنة رائعة، وقد حسنت صورته وهو جالس يده تحت خده، وعليه [حلة] عظيمة، فقلت: [ما فعل الله] بك؟ فقال لي: إنه لما فارقت روحي جسدي ساقني سائق عنيف في موضع لا أعرفه فاجتزت بجهنم، وقد فغرت فاها وخرج لسانها، فعدلت عن الطريق التي يسوقني السائق فيها خوفا أن تحرقني، فابتدرت إلي امرأة حسنة الوجه عظيمة الخلق، فقالت: لا بأس عليك يا أحمد، قد وهبك ربك لي، ثم مشت بيني وبين النار، فكنت أخاف من عظيم النار أن تسلني وإياها فتحرقنا جميعا، إلا أني قد أمنت على نفسي بها، ثم بدرت إلي امرأة أخرى مثلها في حسنها وعظم خلقها، فقالت لي: أبشر يا أحمد برضا ربك عنك، وصاحت هي وصاحبتها على النار فخمدت وانقطع لسانها وبعدت عنا، فقلت للامرأة الأولى: من أنت؟ فقالت لي: أنا أم الجهاد بطرسوس، الشاكر لمبرتك لنا في الشدائد، وعفوك عن أهل الثغور في الجرائم، فقلت للأخرى: من أنت؟ فقالت: أنا الصدقات التي كنت تبذلها يمينا وشمالا وصباحا ومساء. وانصرفتا عني وهما تقولان لي: لا تنس شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ثم نودي بالسائق: أدخله من باب المغفرة. فأدخلت إلى هذا الموضع. فقلت له: فما هذه الكآبة التي أراها بك؟ فقال: استحياء من الله ربي، عز وجل، لما اقترفته من الآثام وارتكبته من الأمور العظام ... فانتبهت من نومي وأنا أترحم عليه، ولكأنه بين يدي يخاطبني لما شاهدته منه وما تداخل قلبي من خطابه.
قال مؤلف هذا الكتاب: وحدثنا الحسن بن علي العباداني،
48
وكان من أهل عبادان، وهو من أهل التعبد والزهد والورع، دخل إلى مصر وسكن المعافر، وله هناك مسجد معروف، قال: رأيت في منامي كأني في الرحبة التي فيها العين التي بناها أحمد بن طولون بالمعافر، وكأن قائلا يقول لي: الأمير في المسجد - وأومأ بيده إلى مسجد الأقدام - فسلم عليه. فقلت له: نعم. فدخلت المسجد فإذا أنا بأحمد بن طولون، فسلمت عليه فرد علي السلام، فبينا أنا كذلك إذا بنار من وراء المسجد عظيمة، فقال لي: ألا ترى هذه النار؟ فقلت: نعم. فقال لي - وأومأ بيده إلى العين التي بناها: لولا هذه لأكلتني هذه النار. فانتبهت وقد سررت بهذه الرؤيا له.
Unknown page