165

وحدث محبوب بن رجاء قال: رأيت أحمد بن طولون في منامي بحال حسنة، فسألته عما لقي، فقال لي: غفر لي. فقلت له: مع عظيم ما ارتكبت؟ فقال: خفف ذلك عني أن أكثر من أسأت إليه كان مستحقا من ربه ما نزل به مني، فكنت عقوبة بعثها الله، عز وجل، مني عليه. ثم قال: إنما البلاء ظلم من لا ذنب له ولا ناصر. فقلت له: فمستقرك في الجنة؟ فقال: ما استقر بعد أحد في جنة ولا نار، ولكنه تلوح لنا دلالات المغفرة من طيب النفس وأمن السرب.

قال: ومن الدليل على أنه خفف عنه كما ذكر، ما تحدث به كامل بن سعيد متطبب سعيد الصغير، وكان سعيد هذا من أجلاء قواد الموفق، قال: قال لي سعيد يوما، وقد دخلت إليه فرأيته مغموما، فسألته عن حاله؟ فقال لي: شربت أمس نبيذا فسكرت وعربدت على غلام لي فضربته بالمقارع حتى مات تحت الضرب، فلما كان في السحر من يومي هذا رأيت في نومي كأن آتيا أتاني فقال لي: أنا رسول رب العالمين يقول لك: غضبت على عبد من عبيدي ملكتك رقه، فضربته بغير حجة حتى مات، وعزتي وجلالي [لأعجلن لك] العقوبة في الدنيا. قال: فقلت له: يوقيك الله ويصونك، هذه أضغاث أحلام. فأظهر ندما عظيما، وغما شديدا، وتصدق في يومه بعشرة آلاف درهم دية الغلام وانصرفت، فلما كان من غد صرت إليه، فقال لي: ويحك رأيت البارحة أشد مما رأيت قبلها. فقلت له: وما هو؟ قال: جاءني ذلك الشخص بعينه البارحة في منامي، فقال لي: يقول لك رب العزة: تقتل عبدي وتصانعني عنه، هيهات! وانتبهت من قوله مرعوبا وجلا خائفا. فقال كامل بن سعيد المتطبب: فما مضى لقوله إلا أيام يسيرة حتى أنفذه الموفق رسولا إلى أحمد بن طولون في حمل مال، وكتب إليه طيفور خليفته بالحضرة يعرفه أن الموفق حمله رسائل إلى وجوه قوادك في تضريبهم عليك وإفساد قلوبهم لك فاحذره، ووصل كتاب طيفور إليه قبل وصول سعيد، فحين وصل إليه ووقعت عينه عليه لم ينهنهه

49

حتى قال له: يا ابن كذا وكذا! فرغت من تضريبك الرجال بسر من رأى - وكان أحمد بن طولون يعرفه بذلك - وصرت إلى بلدي حتى تضرب علي رجالي، وتفسد نياتهم بالقشور والمحال، العمد! فأحضرت فقال: دماغه، فلم تزل العمد تأخذ دماغه حتى مات، فجر برجله بين يديه، فصحت رؤياه التي رآها.

قال مؤلف هذا الكتاب: وبهذا الخبر صحت رؤيا محبوب بن رجاء في قوله إنه لما رآه في منامه قال له: خفف عني أن أكثر من أسأت إليه كان مستحقا ذلك من ربه، فجعلني عقوبة له، بعثها الله، عز وجل، عليه مني. قال: وكان بين قتل سعيد الغلام وبين مسيره [إلى ابن طولون والا]قتصاص منه، فكان الوقت الذي بلغ الكتاب فيه أجله.

وحدث عبد الله بن الفتح - وكان من أصحاب سيما الطويل - قال: رأيت في منامي كأن سيما الطويل متعلق بأحمد بن طولون على باب المسجد الجامع الذي بناه بمصر، وهو يصيح بأعلى صوته: يا رسول الله! أعني على أحمد بن طولون فإنه قتلني، واصطفى مالي، واستباح أهلي وولدي. فتأملت فإذا رسول الله

صلى الله عليه وسلم

مقبل إلى المسجد فصاح به: يا سيما! كذبت ما قتلك أحمد بن طولون، قتلك عجيج سهل التاجر الذي قدرت أن عنده مالا وجدة، فضربته حتى كاد أن يموت، ثم دخنت عليه حتى مات من التدخين، وأنت وأحمد خاطئان أقل أحدكما وزرا أحسنكما سيرة، وأكثركما معروفا أقربكما من الله ومغفرته.

وحدث أحمد بن دعيم، وكان من قواد أحمد بن طولون، وترك الديوان وحسنت طريقته في الخير، قال: رأيت أحمد بن طولون فيما يرى النائم وهو بحال حسنة، فسألته عما فعل الله به؟ فقال لي: يا دعيم، ما ينبغي لمن سكن الدنيا أن يحتقر حسنة يعملها ولا سيئة يأتيها، عدل بي إلى الجنة بتثبتي على رجل متظلم إلي، وكان عي اللسان بعيد البيان منقطع الحجة ضعيف الجسم، وقد ارتاع مني مع ذلك واضطرب ، فوقفت عليه وسكنته حتى سكن روعه، وصبرت عليه في خطابه حتى قامت حجته بتثبتي، فتقدمت بإنصافه، فانصرف وقد أثر فيه السرور.

وحدث أحمد بن عبد العزيز الحريري - وكان في خزانة أحمد بن طولون ومعه قدم من العراق - قال: فرق أبو الجيش كسوة أبيه على حاشيته، فلحقني منها نصيب، فما خلا شيء مما صار إلي من رفء

Unknown page