18

الجوهريين، وكانا أجل أهل سر من رأى، وإلى جماعة من وجوه التجار بها، بأن يدفعوا إلى خليفته بالحضرة كل ما أحب من المال، وإن احتاج إلى ضمانهم عنه في شيء يحتاج إليه من المصانعة ضمنوا وكتبوا له بذلك، ليأخذ العوض منه بمصر.

فكان خليفة أحمد بن طولون بالحضرة طيفور التركي، وكان جلدا شهما ثقة، فكان كلما بلغه عن واحد من القواد أنه قد طلب عمل مصر وندب لها؛ لأن الموفق كان إذا تعذر عليه الرجال أو أكدوه،

47

قال: مصر خزانة السلطان وفيها أمواله فليخرج إليها أحدكم. فمن هم بذلك من القواد أخذ طيفور خليفته من التجار ما يريد من المال، على قدر محل الرجل، وركب إليه وقال له: أخوك أبو العباس أحمد بن طولون كتب إلي يقرأ عليك السلام، ويشكو شوقه إليك، ووحشته منك، ويقول لك: يا أخي وسيدي؛ لبعد الطريق وخوف العوائق امتنعت أن أحمل إليك من هدايا مصر، فتطول ببسط عذري في ذلك، واصرف هذه الدنانير فيما تحتاج إليه ، ولا تخلني من مكاتبتك وأخبارك وأحوالك وحوائجك فإني أسر بذلك، ويدفع إليه المال من ثلاثة آلاف دينار إلى ألفي دينار إلى ألف دينار على مقدار الرجل، فيلحق الرجل من ذلك احتشام ويمتنع من أخذه، حتى يسأله طيفور ويخاطبه عليه بما يزيل احتشامه فيأخذه، وقد كبر أحمد بن طولون في قلبه، وعظم في صدره، وملكه جميل فعله، وإذا ذكرت له مصر استبعد طريقها، وتثاقل عن قبول تقلدها، وإن كان هو الخاطب لها أضرب عن ذكرها. ولا يخلو أيضا من أن يكون بينه وبين التجار الذين قد كاتبهم معمر في أمر أحمد بن طولون معاملة فيصيرون إليه ويطالبونه بما لهم عليه من المال، ويقولون له: أنت قد عزمت على الخروج إلى مصر وهو بلد لا ترجى فيه سلامة من يخرج إليه؛ لأن من قصده إنما يقصده مائة ألف عنان، فمن سمع هذا ولو لم يكن حصل له مال يجب قلبه

48

ويقوى امتناعه، فكيف وقد انضاف إلى ذلك ما صار إليه، فإذا حلف لهم أنه لا يخرج، قيل له: جوزيت، ليس تحصل إلا على فساد ما بينك وبين أحمد بن طولون، وقتل أصحابك وذهاب مالك، إن سلمت نفسك، فيزداد بذلك امتناعا، ولما فعل في أمره خوفا واحتشاما، فكانت هذه الأحوال تقوي أمره، ويزول عنه ما يتخوفه؛ لأنه علم أن بلده مذموم مظلوم.

ولما دخلت سنة خمس وخمسين ومائتين خرج رجل علوي لقب نفسه ببغا الكبير، وذكر أنه أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن طباطبا بين برقة والإسكندرية بموضع يعرف بالبدريين [؟]، ثم صار إلى صعيد مصر، فوجه إليه أحمد بن طولون قائدا يعرف ببهم بن الحسين، فكانت بينهما وقعة قتل العلوي في معركتها، فأخذ رأسه وانهزم أصحابه وتمزقوا.

ثم خرج بعده في سنة ست وخمسين ومائتين رجل ذكر أنه

49

إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن علي بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، صلوات الله عليهم أجمعين، وكان يعرف بابن الصوفي أيضا. وجاءت الأخبار أنه دخل إسنا

Unknown page