27

وأقر أحمد بن طولون أبا أيوب على الخراج من قبله، وجعل عبد الله بن دشومة أمينا عليه، وجعل نعيما المعروف بأبي الذؤيب عينا عليهما، وقلد الأملاك لسليمان بن ثابت المعروف بأبي ريشة، وكان عبد الله بن دشومة منهم واسع الحيلة، بخيل الكف، لم يكن يعيبه غير بخله وزهده في شكر الشاكرين، ويرى بجهله وما حرمه الله عز وجل من اصطناع الجميل، أن الثناء حيلة من حيل القاصد على المقصود، ولا يهش إلى شيء من أعمال البر فمقته الناس على ذلك، وكثر به الدعاء عليه، وكان فيه مع هذا الشر سعاية.

وكان أحمد بن طولون رقيبا على نفسه يتصدق في أثر الإساءة، إذا جرت منه إلى إنسان، بالصدقات الجزيلة، ويتضرع إلى الله جل اسمه في تمحيص ما جناه، فكان بذلك يوفى ويكفى وينصر.

77

ولما ورد عليه كتاب المعتمد بما استدعاه من رد الخراج بمصر إليه، وزاده المعتمد مع ما طلب خراج الثغور الشامية، رغب بنفسه عن أدناس المعاون ومرافقها، فرفضها وأمر بتركها، وكتب بإسقاطها في سائر الأعمال، ومنع المتقبلين

78

من الفسخ على المزارعين، وحظر الارتفاق

79

على العمال.

وكان قبل إسقاط المرافق بمصر قد شاور عبد الله بن دشومة في ذلك، فقال له: إن أمنني الأمير تكلمت بما عندي. فقال له: قد أمنك الله، عز وجل، مني فقل. فقال: أيها الأمير إن الدنيا والآخر ضرتان، فالحازم من لم يخلط إحداهما مع الأخرى، والمفرط من خلط بينهما؛ فيتلف أعماله ويبطل سعيه. وأفعال الأمير، أيده الله، أفعال الخيرة، وتوكله توكل الزهاد، وليس مثله ركب خطة لم يحكمها، ولو كنا نثق بالنصر دائما طول العمر لما كان شيء آثر عندنا من التضييق على أنفسنا في العاجل بعمارة الآجل، ولكن الإنسان قصير العمر، كثير المصائب، مدفوع إلى الآفات

80

Unknown page