29

ولما انصرف أحمد بن طولون من الصحراء وحمل المال أحضر ابن دشومة وأراه المال وقال له: بئس الصاحب والمستشار أنت، هذا أول بركة مشورة الميت في النوم، ولولا أنني أمنتك لضربت عنقك. وتغير عليه أحمد بن طولون وسقط محله عنده، ورفع إليه بعد ذلك أنه قد أجحف بالناس، وألزمهم أشياء ضجوا منها، فقبض عليه وأخذ ماله وحبسه فمات في حبسه.

ومن أفعاله خبره مع موسى بن بغا، وذلك أنه لما زاد أمر صاحب البصرة واستفحل وكان ابتداء خروجه في سنة أربع وخمسين ومائتين أنفذ المعتمد رسولا في حمل أخيه المسمى بالموفق من مكة إليه، وكان المهتدي قد نفاه إليها، فلما وصل إليه عقد العهد بعده لابنه المفوض وله من بعده ولقبه بالموفق، وقسم المملكة بينه وبين ابنه المفوض كما فعل الرشيد في أمر ابنيه، فجعل غرب المملكة لابنه المفوض وشرقها لأخيه الموفق، وكتب بينهما بذلك كتابا ارتهن فيه أيمانهما بالوفاء بما وقعت عليه الشروط على كل واحد منهما وله، وضمن ذلك العهد الثابت في الشرط كل ما يخاف من مثله العاقبة. والمعتمد ما يعلم [ما] في طوية الموفق ولا في سره، وكان يحسد أخاه على الخلافة فلا يراه أهلا لها، ويطعن عليه، وينقص من أمره جدا.

ولما جعل العهد لابنه، ولقبه المفوض، وجعله هو بعده، اشتد ذلك عليه

84

وقوي بغضه لابنه، وزاد حقده على أخيه المعتمد، واعتقد فيه، متى ظفر بالأمر، التشفي منه، وبلوغ كل مكروه به، وكان، لعمري، المعتمد بالله منحل الأمر جدا؛ لأنه كان رجلا متشاغلا بملاذ نفسه وطيبة عيشه بالصيد واللعب، والتفرد مع الجواري، فكانت الأمور ضائعة والتدبير فاسدا، وكل متقلد لعمل قد فاز بما يتقلده، ففعل كفعلة [الرشيد] بابنيه المأمون ومحمد بن زبيدة احتياطا وإشفاقا عليهما، ولم يعلم أن ذلك كان منه لثقته بابنيه على نفسه وحاله، فقدر ذلك في أخيه وولده، ولم يعلم ما في ضميره له، وأنه يخرج عن طاعته ولا يشكر جميله عنده.

وإنما وقع الخلاف بين محمد بن زبيدة وبين المأمون؛ لنقص محمد عن محل المأمون في نفسه وشجاعته وفضله في كل فن من سائر العلوم.

ولقد عاتبت زبيدة الرشيد على تفضيله المأمون على ابنها فقال لها: الساعة أبين لك فضل كل واحد، فوجه إلى ابنها، وقد مضى من الليل وقت، يدعوه إليه، فوافاه وعليه ثياب المنادمة مبخرا مطيبا، فقال له: اشتقت إلى رؤيتك. فسقاه بيده قدحا، ووهب له من جوهر كان بين يديه جوهرة واحدة حسنة وصرفه. ووجه إلى المأمون يدعوه فأبطأ، ثم سمع بعد ذلك للدار ضجة عظيمة وجلبة هائلة، ثم دخل إليه وعليه صدرة السلاح بجوشنه وخوذته

85

وآلة الحرب، وعرف الرشيد بأن الجيش قيام له في السلاح فقال له: ما هذا؟ فقال: خفت أن يكون قد حدث حادث احتاج أمير المؤمنين إلى إنفاذي فيه فجئت مستعدا، فقال له: بارك الله عليك، إنما اشتقت إليك، انصرف مصاحبا. ووهب له جميع الجوهر. وقال لها: كيف رأيت؟ فأمسكت عن المأمون.

وكان في الشرط الذي كتبه المعتمد بين الموفق وابنه أنه ما حدث في عمل كل واحد منهما من حدث كانت النفقة عليه من مال خراج قسمه، واستخلف المفوض على قسمه موسى بن بغا، فاستكتب موسى عبيد الله بن سليمان بن وهب، وانفرد الموفق بقسمه، وتقدم إلى كل واحد منهما ألا ينظر في عمل صاحبه، وخلد كتاب الشرط للكعبة، وأفرد الموفق لمحاربة العلوي البصري، وأخرجه إليه وقواه، وضم إليه الجيوش، فلما كبر عليهم أمر العلوي البصري، وطالت محاربته، انقطعت مواد خراج الشرق عن أبي أحمد الموفق، وتقاعد الناس عن حمل المال الذي كان يحمل، واحتجوا في ذلك بأشياء؛ منها خروج العلوي وما لحقهم منه، وأخذه من أموالهم، ومنها خوفهم من أن يؤخذ ما يحملونه في الطريق، لكثرة أصحاب العلوي وانتشارهم في الطرق، ومنهم من يتربص بالحمل لينظر كيف تكون الأمور، ولمن يصح الأمر.

Unknown page