Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
فدعت أبا أحمد الموفق الضرورة إلى أن كتب إلى أحمد بن طولون في حمل ما يستعين به على أمره، وليتثبت من صدق عمله، إلا أنه شكا في كتابه شدة حاجته إلى المال لما هو بسبيله، وأنفذ إليه لحمل المال نحريرا خادم المتوكل، وورد في عقب الكتاب إليه كتاب من المعتمد يأمره بحمل المال إليه على رسمه، مع ما جرى الرسم بحمله مع المال في كل سنة من الطراز والرقيق والخيل والشمع والخيش وغير ذلك.
وكتب إليه [المعتمد] سرا أن الموفق إنما أنفذ نحريرا الخادم إليك عينا عليك ، ومستقصيا على أخبارك، وأراه أنه قد كاتب بعض أصحابك فاحترس منه، واحمل المال إلينا معه، لئلا تقوى يد الموفق به، وعجل إنفاذه من حضرتك.
ولما وافى نحرير أنزله أحمد بن طولون في دار معه في الميدان، ومنعه من الركوب إلى موضع من المواضع، ولم يمكنه الخروج من الدار التي أنزله فيها، إلى أن أخرجه من البلد، وتلطف في الكتب التي كانت معه فأخذها، وحمل معه ألف ألف ومائتي ألف دينار،
86
وحمل جميع ما جرى الرسم بحمله، وخرج بنفسه، وأخرج معه العدول حتى شيعه إلى العريش، ووجه إلى صاحب ماجور بالعريش فأحضره وسلمه والمال إليه، وأشهد عليه بذلك العدول، وعاد إلى مصر ينظر في الكتب، فإذا هي إلى جماعة من قواده، يضريهم عليه، ويستميل قلوبهم إليه، لما كان في نفسه عليه من قوة موالاته للمعتمد، وصحة طاعته له.
وكانت قد قويت شوكة الموفق بمن ضمه إليه المعتمد من الجيوش والعدة لمناوأة العلوي البصري،
87
فممن كان كتابه إليه جوابا عن كتابه كان إليه بدر الحفيفي، وهو صاحب القيسارية الوفائية التي تعرف بقيسارية بدر، وإليه كانت ضياع أبي أحمد بن المتوكل والطراز والخيم وصناعتهما، وكان من وجوه غلمانه وكبارهم فضربه بالسوط حتى مات. ومنهم أحمد بن عيسى الصغدي، وكان رجلا من أجلاء أصحابه، فضربه أيضا بالسوط، وحلق رأسه ولحيته وطاف به البلد، وحبسه في المطبق وكان إحسانه إليه وعليه فما شكر ذلك وكفره.
ولما وصل المال كتب أبو أحمد الموفق إلى أحمد بن طولون كتابا يستصغر فيه المال، ويقول: إن الحساب يوجب أضعافه. وبسط لسانه فيه، والتمس من أصحابه من يخرج متقلدا عمله فأعوزه ذلك، لما كنا قد ذكرناه من ملاطفة أحمد بن طولون لوجوه أهل الدولة الذين يندب أحدهم لمثله، وكتب بذلك إلى أحمد بن طولون أصحاب أخباره، فلما قرأ أحمد بن طولون كتاب الموفق قال: وأي حساب بيني وبينه أو حال توجب مكاتبتي بمثل هذا وغيره؟ وأجابه جوابا نسخته:
88
Unknown page