Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
يقول ما قالا له
كما تقول الببغا
والخليفة الذي قيل هذا فيه هو المستعين بالله؛ لأنه كان يؤثرهما جدا ويقدمهما ويفضلهما ويقول برأيهما.
فلما دخل أحمد بن طولون دمشق انضم إليه ابن وصيف هو وجماعة قواد ماجور، ولما صار أحمد بن طولون إلى حمص تلقاه عيسى الكرخي وكان يتقلدها، وترجل له، وعمل على أن يقره أيضا على عمله، فضج أهل حمص منه، وشكوا سوء سيرته فيهم، فصرفه عنهم وولاها يمن التركي.
وكاتب سيما الطويل، وكان بأنطاكية على جهة التغلب وعصيان السلطان، يدعوه إلى الطاعة للسلطان والسلم، ويقول في كتابه إليه: لست أسومك شيئا غير إقامتك الدعوة، وأنصرف عنك، ويكون البلد لك، تدبره كما ترى، فامتنع سيما من ذلك، ولج فيه لأسباب المنية، وكان قد تحصن بأنطاكية؛ لأن حصنها ما فتح عنوة قط، فسار إليه أحمد بن طولون وعاوده المكاتبة، وراجعه القول الأول ولطف به، وراسله برسل معهم عقل ورأي وتلطف، فأقام على رأيه، وهذا الفعل منه على ما كان بينه وبين أحمد بن طولون من المحبة والمصادقة والموافقة، فلم يثنه ذلك ولا راعاه، فركب إليه أحمد بن طولون ليخاطبه بنفسه ووجه إليه: قد جئتك لتسمع خطابي مشافهة. فأشرف عليه سيما من برج من أبراج الحصن فجرت بينهما مخاطبات
111
كثيرة، بعضها بالتركية وبعضها بالعربية، ولاطفه بكل لطف وكل حيلة، وحلف له بكل يمين، فلم يجبه إلى ما دعاه إليه، وكان آخر قول سيما له: امض واعمل ما شئت؛ فلأن يلعب الصبيان برأسي فأحمد آثر عندي وأحب إلى قلبي من أن تلعب أنت بروحي. وأخطأ سيما الطويل في هذا القول وجهل فيه؛ لأن أحمد بن طولون كان من طبعه أن من لاينه واستسلم إليه، رأى منه كل ما يحبه، وبلغ منه كل ما يريده، ومن خاشنه أو قاومه لم يطقه وكافأه بما يستحق، كما قال الشاعر:
وكالسيف إن لاينته لان متنه
وحداه إن خاشنته خشنان
وكما وصف دعبل بن علي الخزاعي رئيسا كان في زمنه، فقال:
Unknown page