39

وكانت هذه الأفعال كلها في أحمد بن طولون قد تبينها الناس في علي بن إسحاق وعلي بن ماجور وغيرهما.

فانصرف أحمد بن طولون عن سيما لما سمع ذلك القول منه من وقته، وكان عسكره فيما يلي الباب المعروف بباب فارس، فأقام بقية يومه، وباكره من غد فنصب المنجنيقات، ورمى الحصن بالحجارة وبالنفط، وكان سيما قد أساء العشرة لأهل أنطاكية فكرهوه وأبغضوه، فلما حاصرهم أحمد بن طولون ورمى حصنهم بما لا يأمنون منه المكروه، وعلموا أنهم لا يقاومونه، بعثوا إليه فدلوه على الموضع الذي منه المدخل إليهم، فلما كان الليل دخل أحمد بن طولون وأصحابه الحصن منه، ونصب أعلامه عليه، وركب سيما الطويل فأحرق باب فارس ليشغلهم بالنار فتمكنه النجاة بنفسه، وسقط الباب الحديد ودخل منه إلى بقية أصحاب أحمد بن طولون وهو لا يعلم ذلك، وطلبه أحمد بن طولون وأصحابه والتقوا، فحارب بنفسه ساعة حربا

112

شديدا بانت فيه رجلته وجزالته. وقد تقدم أحمد بن طولون إلى جميع من معه ألا يقتل وإن أمكن قتله، ولا يرمى وإن أخذ أخذ سليما، فلبغض أهل أنطاكية له رمي بالطوب والحجارة من المنازل والمواضع فتحير ولحقه سهم فصرعه، فقتل في المعركة ولم يعلم به، وبقي مطروحا واستأمن أصحابه وغلمانه، وأحمد بن طولون يسأل عنه ويبحث عن خبره، فما وقف عليه حتى اجتاز به آخر النهار وصيف اللاني مولى القصيصيين

113

فعرفه، فنزل وأخذ رأسه وأتى به إلى أحمد بن طولون، فنصبه على رمح، فلما رآه من كان بقي من أصحابه منهم من هرب، ومنهم من استأمن.

ولما رأى أحمد بن طولون رأس سيما قال: قد علم الله، جل اسمه، أني كنت أحب لك غير هذا فأبيت، فأنا بريء من دمك. والله ما أمرت بقتلك ولقد نهيت عنه، فأحب الله، جل ذكره، فيك ما أحب فأمضاه. وكان ذلك في المحرم سنة خمس وستين ومائتين، وقبض أحمد بن طولون على جميع ما كان لسيما من مال وعدة وكراع وغير ذلك، وكل شيء عظيم جليل خطير.

ودخل إلى طرسوس في جمع عظيم، وعز منيع، فضاق السعر بها، وضاقت بأصحابه وسواده طرقاتها، فاضطرب أهلها وتأذوا بأصحابه فصاروا إليه، وفيهم غلظة أهل الثغر، ونسوا أنهم في وجه عدو عظيم قد قاوموه فقالوا: عافاك الله، قد ضاق بأصحابك بلدنا، وتعذرت بك معيشتنا، ونقص سعرنا، فإما أقمت في عدة يسيرة تحملها بلدنا وإلا رحلت عنا. وكان كلامهم له كالشغب، فقال لهم برفق وتأن: نرحل عنكم، حفظكم الله. وركب من وقته.

وأطلقوا ألسنتهم في أصحابه، فقال لهم أحمد بن طولون: احذروا أن تنابذوهم. فقالوا له: قد حملوا السلاح يريدوننا. فقال لهم: انهزموا عنهم، وأظهروا الخوف منهم، واخرجوا عن بلدهم؛ فقد ضيقناه عليهم، فشق على أصحابه ما أمرهم به من انهزامهم عنهم، وقالوا له: أيها الأمير، تكسرنا عنهم، وليس عدتهم كعدتنا، ولا حالهم كحالنا، ولا هم وغيرهم ممن يقاومنا. وخاطبه وجوه قواده بمثل هذا، وقالوا له: علينا في هذا مكسرة، ووضع منا عندهم وعند غيرهم. فقال: ويحكم كل ما تقولونه أنا أعلمه، ولي فيه ما قد علمه الله، جل اسمه، وأنا أتحمل فيه وأحملكم كل مكروه ومشقة مما ذكرتموه تقربا إلى الله، عز وجل، فقالوا له: فيعرفنا الأمير لنسكن إليه، فقال: إنه لم يخف عن متملك الروم العدة التي دخلت هذا البلد، والعدة وما نحن عليه من القوة والنجدة، فأحببت أن يستقر في قلبه وعنده وعند عساكره وجنوده أنا على ما نحن عليه قد ضعفنا عن أهل طرسوس، ولم يمكنا مقاومتهم، فانهزمنا عنهم، وعزهم فهو لله، عز وجل، وعزكم فهو لي، والله، جل اسمه، أولى أن يؤثر. فقالوا: صدق الأمير، الآن طابت نفوسنا. وضرب مضاربه خارجها، حتى فرغ مما احتاج إليه، ومنع أن يدخل إليها أحد من أصحابه حتى رحل عنها.

وركب يوم الجمعة ، وقبل رحيله دخل إلى الجامع ليصلي راجلا برداء ونعل ومعه ثلاثة غلمان، فصلى الجمعة وجلس في الجامع فقضى حوائج أهل البلد، في كل ما سألوه فيه وأرادوه، وبلغ لهم كل ما أحبوه، وتصدق بجملة من المال، وكثر الدعاء له والضجيج بذلك في الجامع والطرقات، وخرج إلى مضربه، وخرج أهل البلد كلهم معه يشيعونه ويدعون له، ورحل عنهم، فبلغ ذلك متملك الروم، وما كان من أهل طرسوس معه، فعظمت هيبة الثغر في قلبه.

Unknown page