Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
حدث أبو العباس [الطرسوسي] المتولي كان لغسل أحمد بن طولون عند وفاته، وكان رجلا خيرا فاضلا زاهدا يتقوت من المباح، قال: كان بطرسوس رجل من خشن الصوفية خير فاضل، قد خرج من طعمة جليلة، ونعمة حسنة إلى الله، عز وجل، يتقوت من عمل الخوص، وكان لا يقطع الخروج إلى الثغور راجلا، وكان أحمد بن طولون، بمقامه في ابتداء أمره بطرسوس، مواصلا له [ومتعجبا من حسن ألفاظه] فحدث قال: لما أراد أحمد بن طولون الانصراف عن طرسوس أحضرني فجئته فساءلني عن حالي، فشكرت الله، جل اسمه، عليها، فقال: قد سررت بنظري إليك، وأنا أريد أن تتقدمني مع العشاء إلى منزل فلان صديقنا، يريد الرجل الذي قدمت ذكره، فتجلس عنده ولا تعرفه مصيري إليه، فإن سألك عني فلا تره في كلامك هيبة لي، وكن في جوابك له مستكينا خاضعا لذكري، وأقرئه مني السلام، وعرفه أني استدعيت مجيئك لتعرف خبره، وذكرت لك شدة شوقي إليه، وقل له آخر كلامك: وأحسبه يصير إليك ليسلم عليك قبل رحيله، وودعه واخرج فتلقاني وتعرفني ما جرى بينكما.
وكانت قد حصلت بيني وبين أحمد بن طولون، بطول مقامه بالثغر، مودة وعشرة وصحبة على الخير، وكان يطوي أياما ويحيي الليل بالصلاة إلى الصبح، فأحبه قلبي وقلب كل من شاهد ذلك منه، فلم أحب مخالفته، ومضيت فعملت كما رسم لي، فقال لي بانكسار منه وكثرة حياء: يجيء متى شاء. وانصرفت عنه فلقيت أحمد بن طولون في الطريق، وهو يريد المجيء راجلا، وليس معه غلام واحد كان خصيصا به ، فأخبرته بما جرى فردني معه إليه، فلما دخلت إليه قلت: لقيني فردني إليك، فلما قرب منه أحمد قام إليه وقال: هذا ما توجبه الطاعة لأولي الأمر وتاركه يخطئ. فبكى أحمد بن طولون، فقال له لما استقر به المجلس: يا أخي، ما الذي أنكرته من ربك حتى شردت عنه، وأنت مع تباعدك عنه لا تخرج من قبضته، فارحم نفسك من تحميلها ما لا تحتمل، واعلم أن جده يمحص هزلك وطاعته تزيل اجترامك، ولا تستكثر من الدنيا مالا يخف معك حمله، ولا ينفعك إذا دعا بك ربك، وتيقن أنك مردود إليه بعملك وحده، وما سواه متخلف عنك. وأحمد بن طولون لا يزيد على البكاء الكثير شيئا.
قال أبو العباس: فالتفت إلي الشيخ وقال: يا أخي ما ترى الناس كيف يبطرون تحت الأقدار؟ ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم بصره رشده، وارحمه من سخطك عليه، ثم قال له: انصرف في حفظ الله [فإني أخاف أن تعديني بحب الدنيا وطاعة الائتمار]، ولست أنساك عند ذكري إن شاء الله.
فقيل لأبي العباس: كيف حفظت هذا الكلام؟ فقال: كان الغلام الذي كان مع أحمد بن طولون هو الذي كان كاتب السر، الذي كان يكتب كل ما يجري من أحمد بن طولون مع من يخاطبه وما يجري من مخاطبه له، ولا يسقط من ذلك شيئا، فإذا خلا عرض الغلام عليه مجملا
114
بما يجري يوما يوما وليلة ليلة، فكتب الغلام جميع ذلك على الرسم، فلما انصرفت مشيعا له إلى مضربه سألته أن يأمر الغلام أن يطلق لي نسخة فأمره بذلك فنسخته.
قال مؤلف هذا الكتاب: وكذا كان أحمد بن طولون إذا أنفذ رسولا في حاجة برسالة، قال له: أعد علي ما قلت. فإن أعاده ولم يخرم منه حرفا أنفذه، وإن قصر عن ذلك استبدل به وأمر بحبسه.
قال: وكان أحمد بن طولون قد عمل على أن يغزو قبل أن ينصرف من الثغر حتى ورد عليه الخبر بخلاف ابنه العباس عليه، وأخذه كل ما تهيأ له من المال والكراع والسلاح، وذهابه إلى الغرب، وحمله معه أحمد بن محمد الواسطي، كاتب أبيه، مكرها، وأيمن الأسود مقيدين، فانكفأ راجعا إلى مصر قد حيره ما دهاه من مأمنه.
فمن دهائه وجودة رأيه وحزمه، أنه لما عمل على المبادرة إلى مصر، لم يكن الرأي عنده أن يترك أطراف عمله منتشرة، غير مضبوطة ولا محروسة، فتوقف وفي قلبه أحر من الجمر، حتى بعث بأحمد بن جيغويه في جيش كثيف إلى حران
115
Unknown page