46

واستكتب كاتبا فقال له: إني جعلتك صاحب خبر على ألفاظي، فانظر كل ما يجري بيني وبين من يخاطبني، من كان من الناس من صغير وكبير، فاكتب خطابه وجوابي، وخطابي إياه وجوابه لي، واعرضه علي بالعشي، فكان يراعي هذا أشد مراعاة.

وحدث عنه ابن عبد كان قال: كنا ننشئ الكتب إلى السلطان وغيره من أصحاب أعماله، فيرد في الأجوبة غير ما صدرت به الكتب إليهم، فذكرت له ذلك لما كثر، فضحك فقال: هذه أجوبة عن أشياء أضمنها أنا الكتب، لا أطلعكم عليها.

ومن ذلك أن كتابه

132

لم يكونوا يختمون كتابا ولا يحررون نسخته حتى يعرضوه عليه، فإن استصابه

133

أمضاه وإلا غيره. وكان لما استكتب في خرجته إلى الشام أبا الضحاك محبوب بن رجاء ولم يكن بالكامل إلا أنه كان حاضر الذهن حلو الألفاظ، فعرض عليه يوما كتابا فلم يقل فيه شيئا، فأنفذه محبوب، فسأله عنه أحمد بن طولون بعد أيام فقال له: قد أنفذته. فحرد واغتاظ، وقال له: ويلك، حق الكتب أن تراجع فيها الأفكار، وقد كان ينبغي أن تؤخر إنفاذه وتراجعني فيه. فكانت كتبه بعد ذلك تؤخر لمراجعة النظر، والتصفح بعد الإنشاء، وجعل لها ديوانا.

فقال له يوما في كتاب قد كان عرضه عليه: أظن ذلك الكتاب قد شارف دمشق. فقال له محبوب: لا والله أيها الأمير، هو مؤخر في ديوان التصفح،

134

فقال له: ويل لك، أتشك في رأيي حتى تطلب مراجعة بعد مراجعة؟ وإنما قصدنا مراجعة مرة لا مرتين، كأنك تراني بعين من لا يوثق بخاطره ونظره فكيف مراجعة مرة؟ فحمل محبوب بن رجاء الغيظ والدالة عليه إلى أن قال له: أيها الأمير، ما أدري أي شيء أنت؟ إن قدمنا قلت: أخروا. فإن أخرنا قلت لنا: قدموا. فأمر به فبطح وضربه خمس مقارع، فكانت المقارع تأخذه وهو يقول: اقتلني وقل لي أي شيء أنت؟ فضحك منه وأطلقه.

Unknown page