Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
وهذا كله فإنما كان منه دهاء ولم يكن في كتابه أحد أعرف بخدمته ولا أصبر عليها من أحمد بن محمد الواسطي. لقد عتب عليه يوما فضربه بيده ضربا لا يحتمله المملوك. ومن حسن أفعاله أنه كان لا يضرب أحدا من كتابه إلا هو بيده، كما كان يضرب من يخطئ من ولده بيده.
ولما ضرب الواسطي ضربا بلغ منه أمره بالانصراف عنه، فلما خرج من بين يديه طرح نفسه في دهليز من دهاليزه، فأقام فيه ثلاثة أيام ينام على حصير الدهليز ودواته تحت رأسه، صائما نهاره، فإذا صليت العشاء أفطر على خبز وملح لا غير ذلك، ولم يتهيأ لأحد من حاشيته [أن] يفعل في أمره ما يستحقه ويلزمهم له خوفا منه، وأخبار تنقل إلى أحمد بن طولون في كل ساعة.
ولما مضت له ثلاثة أيام أحضره وخلع عليه، وأجازه وعاتبه على ما كان منه، حتى أخرجه إلى ما جرى إليه، وأنه جعل ذلك تأديبا له كما يؤدب أحد ولده، فشكر ودعا وزادت حاله عنده.
وحدث الواسطي هذا قال: انصرفت ليلة إلى داري، وكان عندي من آنس به وأتفرج إليه، وأثق بمودته ممن يصحبني، قد خالطني
135
بنفسي؛ لأن الإنسان الكامل يتفرج إلى صاحبه بما لا يتفرج به إلى أخيه ولا ولده ولا خاصته وإن كانت حظية عنده.
وكنت قد ألزمته المبيت عندي، وكان انصرفي وقد مضى هزيع من الليل، فدخلت وأنا مقطب مشغول القلب، فتأمل ذلك مني، وقال لي: أطلت عند الأمير الليلة جدا، وأراك قد جئت وعلى قلبك هم، فما الخبر؟ فلم يكن بي فضل لجوابه، وبقيت بثيابي وخفي جالسا، فقال لي: استخر الله يا سيدي، وادخل إلى الحرم، واخلع ثيابك، ونم تهدأ أعضاؤك بما تعطيه نفسك من الراحة . فقلت له: دعني من هذا فقد حيرني أمر هذا الرجل الذي أخدمه وأدهشني، وما أشبه موارد أموره ومصادرها إلا بالآخرة، فلي والله في الفكر فيها ما يشغلني عن الراحة والمطعم والمشرب التي لا بد منها.
فقال لي: قد استعجلت أنا الساعة الحيرة فخبرني ما السبب؟ فقلت له: كنت بين يدي الأمير واقفا أعرض عليه الأعمال، فلم أزل كذلك إلى أن جاء نصف الليل، فرأيته وقد تشاغل عني بشيء آثر الانفراد به، فتأخرت وملت تعبا إلى طرف الزقاق، فطرحت نفسي أغتنم استراحة، وكان موضعا مظلما لا يبين من فيه لكثرة ضوء الشمع، فرأيت غلامي فلانا، وهو كما تعلم أكبرهم وأوثقهم عندي، وهو عدتي وعليه معولي، وقد وقف بإزائه لما لم يرني، وظن الأمير أني قد خرجت من الدار، فاستدناه فدنا منه، فلم يزالا في سرار متصل أكثر من ساعة، ثم خرج من عنده مبتسما، لما لقيه به من محبوبه، فما ظنك بمن أبر غلمانه عنده صاحب خبر عليه؟ أي عيش يطيب له؟ أو أي راحة تنفعه؟
ومن ذلك ما حدث به أحمد بن أيمن قال: قال لي أحمد بن طولون يوما: اطلب لي رجلا زكي الروح، صادق اللهجة، صحيح التمييز، لمهم لي أريده، فوعدته بذلك، وقد كان في جواري فتى من أولاد الكتاب فيه ما وصفه لي، فعرضت عليه ما ذكره لي الأمير فقبله، فأدخلته إليه، وقلت له: هذا الرجل الذي طلبه مني الأمير. فتأمله ثم استدناه فدنا منه، وأسر إليه ما لم أقف عليه، فدعا بالسياط والعقابين، فشق عن الفتى وضرب عشرين سوطا، وأمر به للمطبق فلم أستجز أسأله عن أمره، فانصرفت مهموما مغموما، وسألني بعض أسبابه
136
Unknown page