48

عن حاله فقلت: أنفذه الأمير في مهم له من وقته، وأمر له بصلة، وقد أنفذ إليكم هذا منها، ودفعت إليهم من عندي خمسين دينارا، واستتر عني خبره شهرا، فلما انقضى رأيته يوما قد دخل وأنا بين يديه، وقد اتسخت ثيابه وطال شعره، فاستبشرت لرؤيته، وعجبت من حاله.

فدنا من الأمير فخاطبه ساعة، ثم استدعى أيضا السياط فضربه عشرين سوطا، وأمر به إلى المطبق، فازددت حيرة وتعجبا وغما، فلما كان بعد شهر قال لي أحمد بن طولون: يا أحمد. فقمت قائما فقلت: لبيك أيها الأمير. قال لي: قد وافى ذلك الفتى من الموضع الذي كنا أنفذناه إليه، والساعة يدخل فاخرج للقائه، فبادرت مسرورا بذلك، فلقيته بعين شمس وهو راكب على بغل فاره بسرج ثقيل، وجنيبة

137

تجنب له، ومعه ثلاثة أبغل تقل محمله إليه، فسلمت عليه، وبدأني فقال: إني لأعلم تعلق قلبك بأمري. فقلت له: ما أحسن أصف ذلك فعرفني حالك، فقال لي: لما نظر إلي عند دخولي إليه واستدناني قال لي: إن قلبي متعلق بما يجري من المعتقلين في المطبق، وقد ندبتك لذلك، وقد عملت على أني أظهر سخطا عليك وآمر بك إلى المطبق، فإذا حصلت فيه فأثبت ما يجري من واحد واحد ساعة بساعة، فإني أنفذ إليك رجلا خفي الشخص يجلس إليك تنفذ إلي معه ما يجري يوما بيوم. فقلت له لما توجبه هذه الحال: فإن ضربني الأمير ولو ضربا يسيرا كان أصح لخبري، فقال: لله درك! فما أخطأت فراستي فيك. فأمر بضربي كما شاهدت، وأقمت في المطبق شهرا أنفذ إليه كل يوم مجملا بما يجري مع شيخ يأتي كالمسلم علي، وأهل المطبق يسألونني عن حالي فأقول: لا أدري من سعى بي بما لا أعلمه.

ثم أخرجت من المطبق فقال لي: قد قبضت على قوم أخر، وأنا أريد إنفاذهم إلى المطبق، فتعود إليه على رسمك، وتثبت ما يكون منهم أيضا، وتطالعني به. ففعلت، فأنفذ عشرة أنفس ما بين قائد وعامل وكاتب، فجريت على شاكلتي فيهم، وأخرجت أمس إليه، فقال لي: بارك الله عليك وفيك. وأمر لي بألفي دينار وعشرة آلاف درهم، وما ترى من الحملان

138

وثياب كثيرة، وتقدم إلى نسيم بأن يسفرني هذا السفر وينفذني إلى عين شمس، لأعود منها كالمسافر، فركبت معه فصرت معه إلى منزله وقد سررت بسلامته، وكثر تعجبي من أفعال أحمد بن طولون، وازداد خوفي ووجلي منه.

ومن ذلك ما رواه رهبان دير القصير

139

قالوا: كان كثيرا ما يطرقنا الأمير أحمد بن طولون ويخلو في بعض قلالينا

Unknown page