50

143

وكوز ماء، وقدح نصف، وجعل بين يدي الجارية صينية فيها خردادي وقدح لطيف وكوز ماء ومغسل، وأخذت العود فغنت أحسن غناء وأطيبه وأحذقه، وشرب حتى استوفى الثلاث خرداديات، وشربت الجارية الخردادي الذي بين يديها، فأتي بثلاثة أخر وملئ خردادي الجارية، وغنت وشرب وشربت واستوفاهما، وفي كل واحد منهما نحو الرطلين؛ لأني رأيتهما كبارا وملئوا له، وقد خلط في كلامه، فاستدعى الرطل فملأه، وغنت وشرب، فلما شربه قال لها: ويحك الساعة حصلنا على أن يملك أحمد بن طولون لعاصي لمولاه أمير المؤمنين الموفق هذا البلد الذي ليس في الدنيا أجمل منه، ونحن بين يديه يديرنا كما يشاء، ويأمر فينا بما يحب، والله لا صبرت له على هذا. فقالت له الجارية: أيضا قد عدت إلى هذا؟ دع عنك ما لا نحتاج إلى ذكره واشرب حتى أغنيك صوتا ما سمعت مني مثله قط. فقال لها: هاتي. فغنت صوتا جودت فيه وأحسنت كل الإحسان، وشرب فما ضبط نفسه فقال لها: ما أدري أي قتلة أقتل هذا العاصي الملعون؟ فقالت له: املأ قدحك حتى أغنيك صوتا أحسن من كل ما غنيته. فلما غنت وشرب زاد الأمر عليه، فقال لها: ويحك والله لا صبرت عن هذا العاصي، ولأدخلن إليه غدا وآخذ سيفي هذا. ثم جرد سيفه ووقف واقفا وقال: ولا أزال أضربه هكذا وهكذا. وأقبل يضرب به المسورة، ويقول: أشتفي منه قلبي هكذا. حتى قطعها قطعة قطعة، فلم تزل ترفق به حتى أخذت السيف منه، وأقبلت تغنيه وتسقيه حتى سكر ونام ونمت موضعي.

ولما كان في السحر بكرت إلى أحمد بن طولون وعرفته ما جرى، وتبينت الغيظ في وجهه، وقال لي: امض، وأمسك حتى دخل إليه في جملة المسلمين من غد، فلما أراد الانصراف أمره بالجلوس، فلما لم يبق أحد من المسلمين استدناه إليه ثم قال: يا هذا أسأت إليك قط؟ قال: لا، أيها الأمير. قال: أليس أنا أدر عليك أرزاقك وجراياتك وأرزاق من معك؟ قال: بلى، أيها الأمير، قال: ولا أخليك في الأوقات من صلة وجائزة؟ قال: بلى. قال: فبأي حال استوجبت منك أن تفعل كذا وكذا. وعرفه بما عرفته، فقام التركي قائما، ورفع رأسه إلى السماء، وقال: رفعته علينا فصبرنا، وملكته رقابنا وأرزاقنا فأطعنا، وأعطيته الدنيا كلها فلم نبال، ما قنعت له بهذا كله حتى صرت له صاحب خير علينا، فرفعت إليه ما تخرجه حماقة النبيذ من الناس إذا هم شربوا؛ كل هذا تتقرب من قلبه. فضحك أحمد بن طولون حتى استلقى على شدة تزمته،

144

ثم أمره بالانصراف، وأتبعه بخادم معه خمسمائة دينار، وأمره أن يدفعها إلى الجارية ويقول لها: قد أحسنت في تأديبه فالزمي ذلك. ثم أخرجه بعد شهر إلى طرسوس، وكتب له بأرزاقه هناك، ووصله بخمسمائة دينار، ولم يحتمل أن يكون معه في بلده وبحيث تراه عينه ويحمل منه ما شق عليه تحمله، ولم ير في مروءته أن يسيء إليه لجميل فعل جاريته وما أصلحته من خطابه، ورميه بطرفه إلى السماء.

وأما فراسته وصحة إزكانه،

145

فما رواه أبو العباس المعروف بالطرسوسي صاحب خبره، قال: ما رأيت أصح إزكانا من أحمد بن طولون ولا أقوى فراسة منه، نظر يوما شيخا في جملة من ينظر إليه، وهو راكب سائر في جيشه، فقال لبعض حجابه: دونك ذلك الشيخ. فقبض عليه، فلما صار في داره أحضره، فإذا به رجل خراساني شديد العجمة، فسأله عن أمره فاعترف أنه صاحب خبر عليه للموفق، وأن معه كتبا إلى جماعة من قواده وأصحابه، وأحضر الكتب فأخذها، وأمر به إلى المطبق، فقال له: أيها الأمير، أما وقد أخذتني بحسن فراستك، فقد لزمني نصحك ؛ لما ملك قلبي من ذكاء عقلك واقتصارك بي على الحبس، وعفوك عن عقوبة كنت أتوقع التلف معها، فقال له: قل يا مبارك. قال: معي صاحب خبر آخر، فإن أردت أن تحتاط فاحبسنا جميعا إن رأيت ذاك، أيها الأمير، صوابا. فقال له: بارك الله عليك، وأين يكون؟ قال: في موضع نجتمع فيه من ليل إلى ليل. قال: فخذ معك من تريه إياه حتى يأتيني به. قال: أفعل. فأنفذ معه بعض حجابه ومضى معه، ولم يزل يترقب موافاة صاحبه حتى وافى في آخر النهار، فعرفه معرفة أحمد بن طولون به وقبضه عليه، فسمعه الحاجب وهو يقول: فما الذي قلت له؟ فقال: اعترفت بالصدق، فقال له: جودت، الصدق أحمد عاقبة وإن سألني صدقته، وأحسبك ذكرت له مكاني معك، فوجه هذا الرجل معك ليحضرني إليه، قال: نعم. قال: سمعا وطاعة، امض بنا. ووافيا والحاجب معهما إلى أحمد بن طولون، فعرفه الحاجب بما سمعه منه فأعجبه ذلك، وسأله عن خبره فصدقه، فقال لهما: قد نجوتما مني وتخلصتما بصدقكما، فارجعا الآن إليه وعرفاه بمعرفتنا بكما، وأخذنا الكتب التي كانت معكما، وإطلاقي لكما. ووصلهما ووجه معهما من يقيهما.

قال أبو العباس: فتحيرنا مما شاهدنا منه، وقلنا: هذا وحي. وفطن لما خامر قلوبنا من ذلك، فقال لنا: قد علمت ما اختلج بأسراركم، ما هو وحي ولكنه إزكان صحيح وذكاء قوي بحمد الله ومنه. إني رأيت هذا الرجل في وسط الناس وهو مشغول بالنظر إلي والتأمل لي، لا يطرف عني بنظر إلى جليس ولا غيره؛ فارتبت به فكان كما ظننت. فقلت له: وفق الله الأمير وكفاه.

قال: وانصرف يوما من الصيد فاجتاز على شارع الحمراء، فتأمل دارا تبنى هناك، فوقعت عينه على بعض الرقاصين،

Unknown page