Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
فبينا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الأطروش يوما في الديوان يناظر المعاملين، إذ نظر [إلى] نصراني كان يعرف بإسحاق كاتب جرجان، وكان معتقلا شيخا من المتقبلين يعرف بابن جمهور، فآدى
180
النصراني عليه، فاغتاظ ابن الأطروش من تسلط النصراني على الشيخ، فأمر برده إلى حبسه، فصاح النصراني: نصيحة للأمير أحمد بن طولون. فما تم كلامه حتى وافى صاحب أحمد بن طولون، فأخذ أحمد بن إبراهيم الأطروش والنصراني فأحضرهما بين يدي أحمد بن طولون، فقال لإسحاق النصراني: ما نصيحتك؟ فقال: أخذ أحمد بن إبراهيم الأطروش هذا من مال ضياع البلد في هذه الأيام أربعين ألف دينار. فقال لابن الأطروش: ما تقول فيما ذكره؟ فأنكره وقال: هذا نصراني أحمق ما يدري ما يقول، وإنما لما طالبته بما يجب عليه من الخراج عمل هذا ليدفع به عن نفسه المطالبة. فاغتاظ أحمد بن طولون وقال له: أنا أسألك عن الحجة فيما ذكره تقيمها تأتيني بخرافات! فبقي ابن الأطروش قد حار وسقط في يده.
181
ورفع في الخبر إليه؛ لأن الأخبار ما كانت تغبه في كل ساعة بكل ما يجري من قليل وكثير، فكان في الخبر أن بالباب كاتبا لأحمد بن إبراهيم الأطروش، يسأل الحجاب إدخاله إلى الأمير، فأمر بإحضاره، فدخل على أحمد بن طولون، فكان أول ما ابتدأ به بعد السلام على الأمير أن قال: أيد الله الأمير، جميع ما وجب على صاحبي هذا أحمد بن إبراهيم الأطروش فهو علي دونه بما فوضه إلي من أمره، فإن رأى الأمير، أيده الله، أن يعفيه من المناظرة لهذا النصراني ويجعلها معي ويصغي الأمير، أيده الله، إلى ما يجري فعل. فعجب أحمد بن طولون من تأكيده على نفسه فيما يتبرأ فيه الولد من والده، فقال له: شأنك وإياه.
والتفت إلى النصراني فقال له: ما نصيحتك؟ فقال: أخذ صاحبك من مال ضياع البلد أربعين ألف دينار. فقال له علي بن أحمد: أخذها جملة من حاصل مال كان لها مفردا، أو أخذها مفرقا من الضياع؟ فقال له النصراني: أخذها مفرقا من الضياع. قال: فأحضرنا بها عملا مفصلا تبين فيه ما ذكرت شيئا شيئا. فقال: ما عندي لها عمل بتفصيل، ولكن إذا أحضر الحساب للضياع أخرجت من عرضه ما اختزله ويثبت اقتطاعه له. فقال علي بن أحمد: الله أكبر. وأخرج من خفه عملا وناوله الأمير وقال له: أيد الله الأمير، هذه نسخة ما حمل إلى بيت المال عن هذه الضياع دفعة دفعة وأنا أحفظها ظاهرا، وهو ذا أقرؤه وهو يسمع، فمهما عرف منه هذا النصراني شيئا فيذكره. ثم اندفع يذكر ذلك ضيعة ضيعة ودفعة دفعة، وقد أعجب أحمد بن طولون ذلك منه، وأقبل عليه يستزيده حتى أتى على العمل، ثم استعاده إياه ثانية إعجابا منه واستحسانا له، فأعاده على ترتيب لم يقدم حرفا ولم يؤخر حرفا، ثم قال للنصراني: أخبرني الآن ما الذي زاد على هذا حتى يكشفه الأمير أيده الله؟ فإن صح علم صدقك، وإن لم يصح وقف على كذبك. فانقطع النصراني، وسكت سكوت منقطع لا حجة معه، وارتعد بين يدي أحمد بن طولون فقال له: يا كلب، أردت أن تحملني على الإساءة لرجل ليس في خدمتي أعف منه ... لولا أن الإسلام يهدر ما قبله ...
182
عبرة لغيرك، وأمر بانصرافه، ثم قال لعلي بن أحمد: بارك الله عليك ... منك؛ فقد جمعت بين الذكاء والوفاء، فلا يدخلن إلي صاحبك وقتا إلا وأنت معه، وكان لباس علي بن أحمد الدراعة فنهاه أحمد بن طولون عنها، وأمره بلباس الأقبية والسيف والمنطقة ولبس السواد يوم السلام.
وحدث يحيى بن براقة الحاسب وكان صديق أبي يوسف يعقوب بن إسحاق كاتب أحمد بن طولون، قال: صار إلي غلام أبي يوسف الكاتب، بعد انصرف أحمد بن طولون من الإسكندرية إلى الفسطاط، يدعوني إليه ويذكر شوقه إلي، وكنت قبل نكبته مواصلا له، فلما حبسه أحمد بن طولون [تهيبت] الذهاب إليه خوفا على نفسي، فقلت له: ما تركت زيارته إلا خوفا، فقال: قد علم عذرك، والآن فقد تقدم الأمير إلى الموكل بالمطبق أن يفرده من جملة المحبوسين، ويطلق له دخول من قصده للسلام عليه، من أصدقائه وأصحابه وحاشيته وذوي عنايته، وشوقه إليك شديد، وقد استبطأ تأخرك عنه مع ما جرى من تسهيل أمره، فمضيت مع الغلام إليه فوجدته في غرفة واسعة نظيفة فسلم علي وقال: يا أبا زكريا قد تفرغت الآن للعرض عليك، والاقتباس منك، فالزمني فلزمته. فعمل زيج السندهند بأسره، وعمل صدرا من أحكام النجوم. وأقمت أنقطع إليه في محبسه خمس سنين وكسرا حتى أطلق، فحدث يحيى بن براقة قال: لما دخلت سنة أربع وستين ومائتين
183 ... المسلمين ويتضمن ديارهم ذكر ما ابره في الضيق منك، وقد سلكت في قصيدتي ذلك المسلك، وكتب إلى أبي عبد الله الواسطي رقعة يشكو بها حاله، ويسأله التلطف في قراءة القصيدة عليه في خلوة، ويتبعها بما يحسن أن يأتيه وهي:
Unknown page