Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
فقال له أحمد بن طولون: ما فعل النبيذ؟ فقال: هو بحاله، أيد الله الأمير، شغلتنا هذه المصيبة عنه وعن كل حال. فقال له: أحضرني منه شيئا. فوجه معه من أتاه منه بقنينة، فنظر أحمد بن طولون إلى لونه وقال: حسن. فاستحضر كبد خروف فأتي به في غضارة
177
صيني فملأ من النبيذ قدحا وصبه على الكبد، وغطاها قليلا، وكشف عنها فأصابها قد تقطعت وتهرأت، ثم استدعى كبدا أخرى فأتي بها، فأخذ من النبيذ قدحا فجعل نصفه نبيذا ونصفه ماء، وصبه عليها وغطاها أيضا، وتركها قليلا، ثم كشف عنها فوجدها تبرق مصقولة حسنة، فقال للرجل: هكذا كان ينبغي أن يشرب هذا النبيذ منصفا. وقال لأولياء الميت: مات ميتكم بأجله وعلى حسب ما قضيت موتته، فشأنكم بميتكم فا[مضوا وادفنوه]، يتولاه الله، جل اسمه، برحمته، ثم قال لصاحب النبيذ: امض واحذر أن تسقي أو تشرب من هذا النبيذ شيئا صرفا فإنه قاتل. فقال: والله، أيد الله الأمير، لا شربت ولا أسقيت بعد [يومي] نبيذا أبدا ما عشت. فقال له: جودت، انصرف مسلما.
ومن ذلك أنه راح في يوم خطبة فلما رقي الخاطب
178
المنبر وخطب دعا للمعتمد ولولده، ونسي أن يدعو لأحمد بن طولون، ونزل عن المنبر مرقاة، فقال سوار الخادم: فأشار إلي أن إذا فرغ من صلاته وخرج فاضربه خمسمائة سوط. فذكر الإمام وهو على المرقاة الثانية، فرجع إلى أعلى المنبر، وقال: الحمد لله، وصلى الله على محمد
ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ، اللهم وأصلح الأمير أبا العباس أحمد بن طولون. وزاد في الدعاء له ثم نزل عن المنبر، قال سوار: فنظر إلي مولاي وقال لي: اجعلها دنانير. ووقف الخاطب على ما كان منه فحمد الله، جل اسمه، على سلامته منه، وهنأه الناس بالسلامة.
ومن ذلك أنه اعتل معمر الجوهري فعاده أحمد بن طولون، وكانت بينه وبين معمر مودة وخلطة وميل شديد ومحبة، فإنه لعنده جالس يتوجع له من علته ويذكر له غمه به، وشغل قلبه بأمره، ويدعو الله له بالعافية؛ إذ سمع صائحا يقول: أنا بالله وبالأمير، فقال للحاجب: ما هذا؟ فخرج وعاد فقال: امرأة. فقال: هاتها. فدخلت إليه عجوز؛ فلما رأته قال: أنا بالله وبالأمير. فقال لها: ما قصتك وممن تتظلمين؟ فقالت: من هذا الذي أنت عنده أيها الأمير. فقال لها، وما خبرك معه؟ فقالت: أنا امرأة من أهل الستر، ولي نصف دار منها معيشتي، وفي بقائها علي نعمتي، فاشترى هذا الرجل من شريكي، وكدني في أن أبيعه النصف الذي لي لتكمل له الدار، فامتنعت لأن في بقائها ستري، وفي بيعها هتكي، فأنا من كده لي ومطالبته إياي بالبيع، وتخويفي منه، في أمر قد عذبني وحيرني، فرد أحمد بن طولون إلى معمر وجها مكفهرا لم ير مثله قط، تكاد أن تطير من عينيه النار، وانقلب في الوقت عن تلك الحال التي كان عليها له إلى غيرها، كل ذلك مراعاة لحق الله، عز وجل، ثم قال له بعبسة وانقباض وجفاء خطاب: ما تقول فيما قالت هذه المرأة؟ قال معمر: جميع ما أملكه صدقة إن كنت أعرف شيئا مما ذكرته. فقالت الامرأة: وكيلك فلان الذي يعنتني ويؤذيني. وطلب في الوقت فلم يوجد، فقام أحمد بن طولون وقال له: أنصفها ولا تحوجها إلى شكاية بعدها. فبث معمر الرسل يطلبون وكيله حتى أحضر، فسأله عما حكت الامرأة قال: نعم، صدقت، النصف من الدار الفلانية اشتريناها من شريكها، وطلبت منها النصف الذي لها لتكمل الدار بأجمعها فامتنعت. فأمره بإحضار الكتاب بشراء النصف فأحضره، فأقر لها في ظهره أن الشراء لها دونه ووهبه لها ووصلها بجملة دنانير، وقال لها: قد أبقى الله، جل اسمه، عليك النصف الذي لك وزادك النصف الذي لنا هبة منا لك، فأحب أن تمضي وتلقي الأمير وتعرفيه ما فعلته في أمرك وتشكريني عنده. فخرجت إلى الميدان فلقيت أحمد بن طولون فعرفته ما كان من معمر، فحمد الله على ذلك.
179
ومن عجيب أخباره أنه لما صرف أبا أيوب عن الخراج، وقلده أحمد بن إبراهيم الأطروش جعل يتجسس عنه فلا يجد له شاكيا ولا به ساعيا، وكان قد استكتب أبا الجيش علي بن أحمد وسنه يومئذ أربعون سنة، واستخلفه على جميع أمره، وكان كل الكتاب يومئذ يحلفون، وهم متوافرون، أنهم ما رأوا ولا شاهدوا أحضر ذهنا منه ولا أقوى حفظا.
Unknown page