80

207

فبادر فعمل ذلك. وأقبل أحمد بن طولون يتأمل العين، واستحسن جميع ما شاهده منها، ثم أقبل إلى الموضع الذي فيه قصرية الجير ليقف، فلرطوبة الجير لما وضع الفرس يده على الموضع غاصت فيه، وكبا بأحمد بن طولون فرسه، فلسوء ظنه قدر أن ذلك لمكروه أراده النصراني به، فأمر به وشق عنه وضربه خمسمائة سوط وأمر به إلى المطبق، وكان المسكين يتوقع الجائزة فأنفق له إنفاق سوء، وانصرف أحمد بن طولون.

وأقام النصراني في المطبق إلى أن أراد أحمد بن طولون بناء الجامع، فقدر له ثلاثمائة عمود، وقيل له: ما تجدها أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف وفي الضياع الخراب فتحمل إليه فأنكره ولم يختره وتعذب قلبه بالفكر في أمره، وبلغ النصراني وهو في المطبق الخبر فكتب إليه يقول: أنا أبنيه للأمير ، أيده الله، كما يحب ويختار بلا عمود إلا عمودي القبلة، وأحضره فأدخل إليه وقد طال شعره حتى سقط على وجهه، فقال له: ما تقول ويحك في بناء الجامع؟ فقال له: أنا أصوره للأمير حتى يراه عيانا بلا عمود إلا عمودي القبلة، فأمر بأن تحضر له الجلود

208

فأحضرت، وصوره له فأعجب به واستحسنه فأطلقه وخلع عليه وأطلق له النفقة عليه مائة ألف دينار، فقال له: أنفق وما احتجت إليه بعد ذلك أطلقناه لك، فوضع النصراني يده في البناء في الموضع الذي هو فيه وهو جبل يشكر،

209

فكان ينشر منه ويسطح ويعمله جيرا ويبني إلى أن فرغ من جميعه وبيضه وخلقه وفرش في الحصر، وعلق القناديل والسلاسل الطوال الغلاظ الحسان، وحمل إليه صناديق المصاحف ونقل إليه الفقهاء والقراء، وتصدق في ذلك اليوم صدقات عظيمة فيه وعمل طعاما واسعا كبيرا، وحمل إليه فأطعم سائر من حضر، وكان يوما عظيما نبيلا جليلا.

وراح أحمد بن طولون ونزل في الدار التي عملها فيه للإمارة وقد فرشت، وعلق فيها الستور وحمل إلى خزائنها الآلات والأواني التي يحتاج إليها، وصناديق الشراب فيها من كل نوع من الأشربة وما شاكلها، فنزل فيها أحمد بن طولون وجدد طهره وأبدل ثيابه وتبخر، وخرج من بابها إلى المقصورة، فركع وسجد شكرا لله على ما أعانه عليه من ذلك ويسره له، فلما أراد الانصراف خرج من المقصورة حتى أشرف على الفوارة وخرج إلى باب الريح، فصعد النصراني المنارة ووقف إلى جانب المركن النحاس، وصاح بأحمد بن طولون: أيها الأمير، عبدك يريد الجائزة، ويسأل الأمان ألا يجري عليه مثل ما جرى في المرة الأولى. فقال له أحمد بن طولون: انزل ويلك يا كافر. فقال: وحق رأس الأمير لا نزلت أو تؤمنني. فقال له: انزل فقد أمنك الله ولك الجائزة. فنزل وأمر له بعشرة آلاف دينار، وخلع عليه، وأجرى عليه رزقا واسعا.

قال: ومن أفعاله الجميلة ما كان يحمله إلى طرسوس وغيرها من الثغور من المال العين والسلاح والكراع والثياب ما لم يحمله إليها أحد قط، ولم يغيره على أهل طرسوس شيء مما أنكره من فعلهم، فيقصر عن ذلك مجازاة لهم؛ لأنه كان يقصد بفعله الله وحده جل اسمه.

ومن ذلك بناؤه حصن يافا؛ لأنها لم يكن لها حصن، ومات قبل الفراغ منه، وأتمه من بعده ابنه أبو الجيش.

Unknown page