Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
216
في موضع كذا وكذا؟ فقلت له: نعم، أنا أعرف المسجد، وما أعرف الرجل. فقال لي: إنه حسن الصوت جيد الحفظ، فخذ معك خمسين
217
دينارا وامض إليه، فإني لا أشك أنه في ضيقة، فصل خلفه، فإذا فرغ وخلا فوانسه حتى ينبسط إليك، والطف به حتى يأنس بك، فإذا أنس فادفع هذه الدنانير إليه، وسله عن دين إن كان عليه، فإن ذكره لك فاقضه عنه، وعرفني ما يكون منك في أمره فإني أراعيه.
قال أبو جعفر: فعجبت من تغلغله في معرفة هؤلاء القوم واحدا واحدا، وهم في أطراف البلد، وفي مواضع متفرقة لا يكاد يعرف أكثرها أهل البلد ، ثم علمت أن دينه ورغبته في الخير حملاه على ذلك، مع توفيق الله، عز وجل، له، ولن يوفق، جل اسمه، من عبيده لما يرضاه إلا من يختاره، وله عنده منزلة.
فبكرت في السحر إلى المسجد، وصليت خلف الرجل، فسمعت إماما طيبا حسن الصوت، فلما فرغ من الصلاة وانصرف الناس جلست أحادثه، فلم أزال أوانسه وأذكر له أخبار الصالحين، وما يصلح أن أحدثه لمثله حتى أنس وانبسط، وسألني عن حديثي وعن حالي، وقال: قد آنستني فأحب ألا تقطع مؤانستك فقد سررت بك. فسألته عن أحواله وعن تصرف الزمان به، فشكا إضاقة وقال: أغلظ ما حل بي أني وقفت في المحراب أمس أصلي فغلطت في قراءتي وما جرى علي هذا [قبلا]. فقلت: هذا يدل على شغل قلب وغم. فقال لي: نعم، منزلي خلف قبلة هذا المسجد، فجئت إلى الصلاة وزوجتي تطلق، فلما وقفت في المحراب سمعت صياحها من شدة الطلق، ففكرت أنه ليس لها في البيت دقيق ولا خبز ولا زيت ولا معي شيء أنفقه عليها فغلطت. فقلت: موضع يا سيدي ما تلام على ذلك. فأخرجت إليه الدنانير وقلت له: هذه الدنانير من جهة صالحة ترضاها، فخذها وتفرج بها. فتوقف عن أخذها، فحلفت له أنها من جهة مرضية، ليس عليه فيها تبعة، فأخذها وحمد الله، جل اسمه، وأثنى عليه، وانبسط وجهه بعدما كان كالناعس وأنا أحدثه، وكأنه في موضع آخر مشغول القلب والفكر، ثم سألته عن دين إن كان عليه، فقال: نعم، علي دين، وكان أيضا قلبي به متعلقا لتأخيره عن أصحابه، والساعة أبتدئ بقضائه. فقلت له: كم هو؟ فقال: خمسة عشر دينارا. فدفعتها إليه وقلت له: اقضها ولا تثلم هذه الدنانير، واتسع أنت وعيالك بها. فزاد في حمد الله، عز وجل، وشكرني، وسألني: من أي جهة هي؟ فلم أذكرها له، كما أمرني أحمد بن طولون.
وعدت إليه لأعرفه ما كان، فما وصلت إليه يومي، فلما كان من غد صرت إليه فخبرته بما جرى بيننا، فقال لي: صدق. ولقد وقفت خلفه مرارا فما سمعت منه غلطا إلا أول أمس، فإني رددت عليه في ثلاثة مواضع، وصليت اليوم خلفه فقرأ القراءة التي أعرفها منه، فحمدت الله، جل اسمه، على ما وفقني له في أمره. ثم أمرني بإثبات اسمه في الدفتر الذي فيه أسماء المستورين والمستورات الذين يجري عليهم في كل شهر خمسة دنانير على كل رجل وامرأة، وأجرى عليه مثلهم.
ومن ذلك ما حدث به سعد الفرغاني قال: ركب أحمد بن طولون يوما إلى الجيزة، وكان رسمه إذا قرب من الجسر أخلي له، فلما بلغ إليه أمر الناس بان يسرعوا المجيء عليه وأعجلوا، فلم يبق عليه إلا شيخ ضعيف على حمار هزيل ومعه صبي له، وقد أقبل من بعض نواحي الجيزة، فلما أعجل الناس وهب ليعجل معهم لم يكن له نهضة ولا لحماره، فسقط عن الحمار، فأقبل أحمد بن طولون ينظر إليه وإلى الصبي معه قد سقطا جميعا، فقال لي: امنعهم من إزعاج هذا الشيخ، وقف عليه وارفق به حتى يركب حماره والحقني به، فما أشك أنه مظلوم وقد وافانا يريد التظلم وسائله في طريقك معه إلي عن خبره، وسبب دخوله إلى مصر، فإن ذكر ظلامته فاسأله ممن يتظلم؟
قال سعد: فوقفت عليه حتى عبر أحمد بن طولون وعبرت مع الشيخ وقد رددته معي، فلخوفه انقاد معي ولم يسألني عن رده، وأقبلت أسير معه قليلا قليلا، على قدر سير حماره، وساءلته عن خبره وسبب دخوله الفسطاط، فقال: ما ترك لي وكيل ابن دشومة بذات
218
Unknown page