85

الساحل شيئا أرجع إليه، وكنت مستورا فهتكني، وكنت غنيا فأفقرني، حتى صرت بين المزارعين مرحوما فقيرا، بعد أن كنت موجدا موسرا، فدخلت مستغيثا إلى الأمير، أيده الله، وكان ابن دشومة يومئذ أمينا على أبي أيوب

219

في الخراج، فلما لحقنا أحمد بن طولون وكلت بالشيخ، ودخلت إليه في مضربه، فعرفته جميع ما عرفني به الشيخ، فوجه من ساعته بمن أحضر إليه ابن دشومة من مصر إلى الجيزة، ولم يصبر إلى أن يعود، لقوة رغبته في الثواب والخير، فأحضر فقال له : ويحك، إن الضياع تشبه البستان والمزارعون شجرة، فإن رفق بهم وأحسن القيام بأمرهم ورعوا بإصلاحهم؛ طلعت الثمرة ونمت وزكت، وإن لم يفعل ذلك هلكت الشجرة وذهب ثمرها، فأحضر كاتبك الساعة الساعة ومختار الناحية إلى ها هنا، ولا تبرحا حتى تنصف هذا الشيخ من ظلامته وتبلغ له ما يحبه وتعرفني، فإني ها هنا أراعي ما يكون منك في أمره.

فطار عقل ابن دشومة، وجعل يتوقع مكروه أحمد بن طولون، ووجه بمن أحضر صاحبه والمختار بالناحية، وابن دشومة كالمعتقل، حتى جمع بينهما وبين الشيخ، وذكر ما جرى عليه، فحطوا عنه ما كانوا يطالبونه به، وأسقطوا عنه ما شكاه من الغبن عليه، وبلغوا له فوق ما يحبه، وأحمد بن طولون يطالعهم برسله من حيث لا يعلمون، حتى عرف جميع ما جرى بينهم وبينه، وأقبل في خلال ذلك ينفذ إلى ابن دشومة خادما بعد خادم يقول له: أنصف الشيخ، ابلغ له فوق ما يحبه. ويكدهم في الفراغ من أمره، ويعرفهم أن مقامه بالجيزة بسببه، إلى أن ينصف فيعود إلى الفسطاط، فلما فرغوا من أمر الرجل دخل إليه ابن دشومة فعرفه أنه قد بلغ له ما أحب، فأمر بإحضاره، فلما حضر قال لابن دشومة: اشرح لي قصته وكيف ظلم وما عملت في أمره؟ فكان ابن دشومة يعيد عليه أمره، وهو يرعد خوفا من بادرة تلحقه منه، والشيخ واقف يسمع كل ما يجري في أمره.

فلما فرغ من شرح ذلك، قال له: يا شيخ، الأمر كما حكى؟ قال: نعم، أيها الأمير، جعل الله عليك واقية وسترك في الدنيا والآخرة. فلما سمع ابن طولون قوله: «والآخرة» بكى وخر ساجدا لله، ثم قال له: زال عنك ما كرهت وبلغت ما أحببت؟ قال: نعم، أيها الأمير، أحسن الله إليك كما أحسنت إلي. فقال: ما شاء الله فعل بك، ذاك بمنه وكرمه. فقال له؟ كم عمارتك؟

220

فقال: خمسون دينارا، قال له: فتطيقها؟ قال: لا. قال: فكم تطيق؟ قال: ثلاثين دينارا، فأمر بأن تجعل عمارته عشرين دينارا، ووهب له خمسين فدانا يزرعها ما أحب بعماط [؟] وتقوية

221

في كل سنة ولا تؤخذ منه التقوية ولا تسترجع، وجعل ذلك كالصدقة، وقال له: يا شيخ، لولا أن حط العمارة عنك يحط من منزلتك في بلدك لحططتها. فدعا له، فقال: ما فعله الأمير، أيده الله، في أمري فهو أكثر من الحطيطة، وجميعه صدقة علي وعلى ولدي وعيالي، فأجاب الله منا فيك صالح الدعاء. فأمر بأن نهب له عشرين دينارا، وقال له: خذ هذه الدنانير فاشتر بها حمارا فارها لا يرميك على الجسر ولا يقف بك إذا عبر الأمير عليك. وضحك أحمد بن طولون، وانكب الشيخ ليقبل الأرض، فمنعه من ذلك وقال له: احذر ثم احذر أن تفعل هذا بأحد من المخلوقين؛ فإنه لا يؤثره إلا كل جبار عنيد، والسجود لله وحده، عز وجل. فانصرف الشيخ إلى غاية من السرور، بما تم له من إزالة الظلم والمسامحة في العمارة، والإفضال عليه، وهبة الدنانير، وممازحة أحمد بن طولون له في الحمار، فرأيته في انصرافه يبكي فرحا، ويدعو لأحمد بن طولون بنية خالصة، وحصل له بذلك جاه في بلده ووطنه ومحله، ومنزلة وسطوة.

وحدث نسيم الخادم قال: ركب مولاي في غداة باردة إلى المقس

Unknown page