﴿ثُباتٍ﴾ أي: جماعات في تفرقة كأشتات وأبابيل، وواحده: ثبة. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جملة معترضة بين القول والمقول. ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أي:
يبيعون الحياة الدنيا، ويستبدلون بها الآخرة فالذين يشرون فاعل، ويشرون بمعنى يبيعون.
وقيل: الذين مفعول، ويشرون بمعنى يبتاعون. أي: فليقاتل رسول الله الذين يشرون.
والأول أصح؛ لقوله بعده: ﴿وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ وقوله: ﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وفي سبيل تخليص المستضعفين.
﴿الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها﴾ مكة قبل أن يفتحها رسول الله ﷺ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا (٧٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ وضعفه من جهة أنه لا يقدر على إلزامك بما وسوس به إليك، فقبول وسوسته من سوء نظر الناظر، لا من قوة فعل الشيطان.
كان الإسلام في ابتدائه قليل الناصرين فنهي المؤمنون عن القتال؛ لقلتهم، ولما كثر المؤمنون وأمروا بالقتال كرهه بعضهم، فنزلت هذه ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ (^١) أي: كخشيتهم الله.
وقوله: ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ لابد من تأويله؛ لأن أفعل التفضيل إن أضيفت، وخفضت ما بعدها، كان الموصوف بأفعل جزءا مما أضيفت إليه، وإن نصب ما بعدها، لم يكن الأول جزءا من الثاني، فإذا قلت: هذه النخلة أطيب من هذه رطبا جاز؛ لأن لها رطبا. ولو قلت: هذه النخلة أطيب رطب، لم يجز؛ لأنه يقتضي أن تكون النخلة رطبا وإذا قلت: زيد
(^١) رواه الطبري في تفسيره (٥/ ١٧٠)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ١٧٠) رقم (٣٣٨) وفي سنده الكلبي وهو ضعيف.