هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في عقوبة الردة، وقد أورد الشيخ شلتوت والدكتور العوا أقوالًا حولا ما استدل به الجمهور من حديث: "من بدل دينه فاقتلوه"، وأنه حديث أحاد، وحديث الأحاد لا يثبت به حد، وعليه فإن عقوبة الردة ليست عقوبة حدية، وإنما هي عقوبة تعزيرية يستطيع الإمام أن يصل بها إلى حد القتل، كما أن له قتل شارب الخمر في المرة الرابعة١.
كما أن الدكتور العوا يرى صرف الأمر في حديث: "من بدل دينه، فاقتلوه" من الوجوب إلى الإباحة، واستدل لذلك بأدلة كثيرة أهمها ما رواه البخاري، ومسلم من أن أعرابيًا بايع رسول الله ﷺ، فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فأتى النبي ﷺ فقال: يا محمد أقلني بيعتي، فأبى رسول الله ﷺ ثم جاءه، فقال: يا محمد أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: يا محمد أقلني بيعتي، فأبى فخرج الأعرابي، فقال رسول الله ﷺ: "إنما المدينة تنفي خبثها، وينصع طيبها"، وقد ذكر الحافظ ابن حجر، والإمام النووي نقلًا من القاضي أن الأعرابي كان يطلب من رسول الله ﷺ-٢.
وقد حاول من ساق هذا الحديث الاستدلال به على أن هذه حالة ردة ظاهرة، ومع ذلك لم يعاقب رسول الله ﷺ الرجل، ولا أمر بعقابه بل ترك يخرج من المدينة دون أن يتعرض له أحد.
١ الإسلام عقيدة وشريعة للإمام محمود شلتوت ص٣٠١ ط دار الشروق، في أصول النظام الجنائي الإسلامي أ. د/ محمد سليم العواص ١٥٠-١٥٥ ط دار المعارف.
٢ البخاري بشرح ابن حجر ج٤ ص٩٦ وما بعدها، مسلم بشرح النووي ج٩ ص٤٥٥-، وما بعدها في أصول التشريع الجنائي الإسلامي أد/ محمد سليم العوا ص١٥٢ ط دار المعارف -يراجع في ذلك المحلى ج١٣ ص١١٩ وما بعدها، المصنف لعبد الرازق الصنعاني ج١٠ ص١٦٤، وما بعدها.