وهي بهذا الاعتبار متفق عليها بين الناس، إذ لا نزاع بينهم أن الخالق سبحانه مباين لمخلوقاته بهذا المعنى، لكن هذه المباينة تثبت لصفات الموصوف القائمة بمحل واحد، وهي الأعراض القائمة بالجسم كالطعم واللون والريح والحركة والسكون القائمة بالساحة مثلاً، فإن هذه الصفات تباين بعضها بعضاً بهذا المعنى، فإن كل واحدة من هذه الصفات التي تسمى أعراضاً ليست مثل الآخر.
والمعنى الثاني: في المباينة، حدّ المحايثة؛ وهو أن يكون/ أحد الشيئين ليس هو محايثاً له سواء أكان ملاصقاً له مبايناً أو لم يكن كذلك، فكل شيء قائم بنفسه مباين لكل شيء قائم بنفسه بهذا الاعتبار سواء ماسّه أو لم يماسّه، وهذه المباينة المذكورة في السؤال وهي التي أرادها السلف والأئمة كعبد الله بن المبارك وغيره، حيث قالوا: نعرف ربنا بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه(١).
المعنى الثاني للمباينة هو عدم الامتزاج. [٧٣ش/ ب]
وكان المتكلمة الصفاتية الذين سلك مسلكهم الأشعري كعبد الله بن سعيد بن كلاب(٢) والحارث المحاسبي(٣) وأبي
(١) صحّ الأثر بذلك عن عبد الله بن المبارك، أخرجه الدارمي في نقضه على المريسي برقم (٣٣ و١٣٠) وعبد الله بن أحمد في السنة (٢٢ و٢١٦ و ٥٩٨) وابن بطة في الإبانة - الرد على الجهمية - (١٥٥/٣ - ١٥٧) وابن قدامة في إثبات صفة العلو (٩٩ و١٠٠) وهو الثابت عن السلف ضيه، كما تراه في إثبات صفة العلو لابن قدامة، حيث ذكره عن الصحابة والتابعين والأئمة.
(٢) هو عبد الله بن سعيد بن كلَّاب القطان البصري، رأس المتكلمين بالبصرة في زمنه، وكان يلقب كلابا لأنه كان يجرُّ الخصم إلى نفسه ببيانه وبلاغته، قيل توفي سنة (٢٤١هـ) له ترجمة في سير أعلام النبلاء (١٧٤/١١) وفي طبقات الشافعية للسبكي (٢٩٩/٢) وترجمت له هدى الشلالي في رسالتها ((آراء الكلابية العقدية)) ترجمة جيدة من (ص٤٩ - ٥٩).
(٣) هو الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي، مشهور بالزهد، وهو من أبرز=